البدر في فضل سلامة الصدر
3/4
د. نايف بن أحمد الحمد
عاشراً: ترك السؤال عما لا يعنيك وتتبع أحوال الناس وعيوبهم:
عن الحسين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه).[1] وقد سبق ذكر أثر أبي دجانة رضي الله عنه وهو ما رواه زيد بن أسلم قال: دُخل على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين. أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما.[2]
قال ابن حبان رحمه الله تعالى: "الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه وأن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه" ا.هـ[3] وذكر قول القائل:
إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا عليك وأبدوا منك ما كان يستر
وقد قال في بعض الأقاويل قائل له منطق فيه كلام محبر
إذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم فلا عيب إلا دون ما منك يذكر
فإن عبت قوما بالذي ليس فيهم فذلك عند الله والناس أكبر
وإن عبت قوما بالذي فيك مثله فكيف يعيب العور من هو أعور
وكيف يعيب الناس من عيب نفسه أشد إذا عد العيوب وأنكر
متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم عيوبا ولكن الذي فيك أكثر
فسالمهم بالكف عنهم فإنهم بعيبك من عينيك أهدى وأبصر
الحادي عشر: محبة الخير للمسلمين: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ -أَوْ قَالَ لأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ).[4]
قال ابن العربي رحمه الله تعالى: "لا يكون القلب سليماً إذا كان حقوداً حسوداً معجباً متكبراً وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ا.هـ[5]
قال الخطابي رحمه الله تعالى:
ارض للناس جميعا مثل ما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعا كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسك[6]
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من رواية أنس أيضا (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقد قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) (النساء:73) فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم إذ كانوا لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المؤمنين فليس منهم ففي الصحيحين عن عامر الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) [7] "ا.هـ[8]
الثاني عشر: ترك الاستماع للغيبة والنميمة والإنكار على مرتكبهما
حتى يبقى قلب الإنسان سليماً: فعن عَبْدِ اللّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عن أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئاً فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)[9] قال ابن الملك رحمه الله تعالى: والمعنى أنه يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم، وهذا تعليم للأمة ا.هـ [10]
دخل رجل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات:6) وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (القلم:11) وإن شئت عفونا عنك فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا.[11]
وعن الفضل بن أبي عياش قال: كنت جالسا مع وهب بن منبه فأتاه رجل فقال: إني مررت بفلان وهو يشتمك. فغضب فقال: ما وجد الشيطان رسولا غيرك؟ فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الرجل الشاتم فسلم على وهب فرد عليه ومد يده وصافحه وأجلسه إلى جنبه.[12]
الثالث عشر: إصلاح القلب ومداومة علاجه:
عن النُّعمان بن بَشيرٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول (ألا وإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كله، أَلا وهِيَ الْقَلْبُ)[13]. قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: "وقال الفخر الرازي: خصص القلب بالذكر، لأنه محل لأصول الأعمال. ولذا ذكره في معرض الذم، (فإنه آثِمٌ قَلْبُهُ)، وفي معرض المدح (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ويشهد لما قاله قوله: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) وقال: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ). وقوله: (أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، ونحو ذلك ومما يدل على أن المراد بالصدور ما فيها هو القلب. ا.هـ[14]
الرابع عشر: السعي في إصلاح ذات البين:
قال تعالى (فَاتَقُوا اللّهَ وَأصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم) (الأنفال:8 ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا تحريج من الله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم [15]. وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟) قالوا: بلى. قال: (إصلاح ذات البين). [16] وعن أبي إدريس قال: سمعت أبا الدرداء يقول: والله وأيم الله -ما سمعته حلف قبلها ولا بعدها- ما من عمل أحب إلى الله من إصلاح ذات البين والمشي إلى المساجد وخلق جائز.[17]
والمسيح عليه السلام بعد نزوله يقوم بإصلاح ذات البين فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول