الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

 أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة [1]

1/3

للعلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور

 

المقام الأول

في الحرية والمساواة في الشريعة الإسلامية

وهو مقام يستدعى شيئاً من الإطالة؛ ليكون الحكم فيه على شيء مضبوط، فلا يظن أحد أن الإسلام دعا إلى الحرية والمساواة على الإطلاق أو على الإجمال؛ لأن هنالك حدوداً دقيقة بعضها محمود وبعضها ضارٌّ مذموم.

الحرية:

لا تجد لفظاً تهواه النفوس، وتهش لسماعه، وتستزيد من الحديث فيه -مع أن معظمهم لا يضبط مقدار المراد منه- مثلَ لفظِ الحرية.

وما سبب ذلك التعلق العام إلا أن معظم من يسمعون هذا اللفظ، أو ينطقون به يحملونه على محامل يخف محملها في نفوسهم.

فالوقح يحسب الوقاحة حرية، فيخف عنده ما ينكره الناس من وقاحته، والجريء الفاتك ينمي صنيعه إليها، فيجد من ذلك مبرراً لجرأته، ومحب الثورة يعد الحرية مسوغاً لدعوته، والمَفْتون في اعتقاده يدافع الناقمين عليه بأنه حر العقيدة إلى غير هؤلاء.

فيا لله لهذا المعنى الحسن ماذا لقي من المحن، وماذا عُدِل به عن خير سنن؟

والتحقيق أن الحرية إنما يُعنى بها السلامةُ من الاستسلام إلى الغير بقدر ما تسمح به الشريعة والأخلاق الفاضلة.

ولقد أصاب الذين اختاروا للتعبير عن هذا المعنى في العربية لفظ الحرية؛ لأن الحرية في كلام العرب ضد الرق، وقد شاع عند العرب أن يلصقوا مَذامَّ الصفات النفسانية بالرق؛ إذ قد عرى العبيد عندهم عن الاهتمام باكتساب الفضائل، وزهدوا في خصال الكمال، قال ابن زيابة:

إنك يا عمر وَتَرْكَ الندى        كالعبد  إذ  قَيَّدَ iiأجمالَه[2]

ولما استصرخ شداد العبسي ابنه عنترة؛ ليرد غارات عدوهم -وكان عنترة ابن أمة كما هو مشهور، وكان أبوه يأبى أن يعده في عداد بنيه بل جعله عبداً له على عادة أهل الجاهلية- أجابه عنترة بقوله: "العبد لا يحسن الكر وإنما يحسن الحلاب والصر"[3].

فقال له شداد "كر وأنت حر".

وبضد ذلك جعلوا الفضائل من سمات الأحرار قال جعفر بن علبة الحارثي:

لا  يكشف  الغماء إلا ابن iiحرة        يرى غمرات الموت ثم يزورها

وقال الراجز الجاهلي:

لن  يُسْلِمَ  ابنُ حرةٍ iiزَميلَه        حتى يموت أو يرى سبيله

وقال مخيس بن أرطاة  التميمي:

فقلت له تجنب كل iiشيء        يعاب عليك إن الحرَّ حرُّ

قال المبرد: "يعني أن الحر على الأخلاق التي عهدت في الأحرار وكما كنت تعهد". ا. هـ يعني وأنت حر فلا تخالف خلق الأحرار. 

حتى لقد احتاج بعض أصحاب الأخلاق الحميدة من عبيدهم إلى إعلان الاختلاف بين حال عبودية شخصه، وكرم نفسه كما قال حية النوبي الملقب  بـ: سحيم عبد بني الحسحاس:

إن كنت عبداً فنفسي حرة iiكرماً        أو أسود اللون أني أبيض الخلق

دعوة الإسلام إلى الحرية:

الحرية وصف فطري في البشر؛ فإننا نرى المولود ييفع حرَّاً لا يعرف للتقييد شبحاً.

وإذ قد كان الإسلام دين الفطرة كما وصفه الله -تعالى- بقوله: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الروم:30

فكل ما هو من أصل الفطرة فهو من شعب الإسلام ما لم يمنعه مانع.

ويزيد إعراباً عن كون الحرية من أصول الإسلام قوله -تعالى- في وصف محمد –صلى الله عليه وسلم- ووصف أتباعه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الأعراف: 157.

فالإصر: هو التكاليف الشاقة، والأغلال: غير الإصر؛ فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية وهي عبودية الأصنام وسدنتها، وعبودية الملوك، وعبودية القادة أصحاب المرابيع[4]. 

ومما يزيد هذا بياناً قول عمر لعمرو بن العاص في قصة ولده الآتية: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

طرأت على الحرية الفطرية وسائل الضغط من القوة والتسلط، فَسَخَّرت الضعيفَ للقوي، والبسيطَ للمحتال وزادت هذا التسخير تمكناً التعاليمُ المضللةُ وهي أساطير الوثنية، والشرك، والكهانة، فجاء محمد –صلى الله عليه وسلم- يضع عنها الأغلال إلى الحد الذي تصير به نفعاً ورحمةً قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)) الأنبياء:107

لا تتحقق حرية تامة في نظام البشر؛ لأن تمام الحرية هو الانخلاع عن جميع القيود، وعن كل مراعاة للغير بأن يعيش المرء عيشة الوحوش، وذلك غير مستطاع إلا فيما تخيَّله الشنفري إذ يقول:

ولي  دونكم  أهلون  سِيْدٌ iiعَمَلَّسٌ        وأرقط زهلول وعرفاء جيأل[5]
هم الأهلُ لا مستودع السر iiذائع        لديهم  ولا الجاني بما دان iiيعزل

فأما والإنسان مدني بطبع خلقته، محتاج إلى الاتصال ببني نوعه؛ لأنه ضعيف محتاج في قوام أمره إلى التعاون - فالحرية المطلقة تنافي مدنيته؛ فتعين أن الحرية المحمودة التي يدعو إليها الإسلام والحكماء هي حرية مقيدة لا محالة.

فلننظر إلى القيود التي دخلت على الحرية في تاريخ الحضارة، فان كانت تحصل منها فائدة للمقيد بها في