الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

4 - التفكر والتذكر: وذلك باب واسع جداً، والمقام لا يتسع إلا لأقل القليل; فليتفكر العاشق في خطواته إلى لقاء محبوبه، وأنها - مع ما فيها من ضم جراح إلى جراح - مكتوبة عليه، وهو مطالب بها.
وليتفكر في مكالمته محبوبَه; فإنه مسؤول عنها، مع فيها من إلهاب نار الحب.
وليتذكرْ هادم اللذات، وشدة النزع، وليتفكر في حال الموتى الذي حبسوا على أعمال تجاوزوا فيها; فليس منهم من يقدر على محو خطيئة، ولا على زيادة حسنة; فلا تَعْث يا مطلق!.
وليتصور عَرْضَه على ربه، وتخجيله له بمضيض العتاب.
وليتخيل شهادة المكان الذي وقعت فيه المعصية.
وليمثل في نفسه عند بعض زلله كيف يؤمر به إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها.
وليتصور نفاد اللذة، وبقاء العار والعذاب.
وليتذكر أنه لا يرضى لأحد من محارمه أن يكون معشوقاً، إذا كان ذا غيرة; فكيف يرضى ذلك المصير لغيره?!
5 - البعد عن المحبوب المعشوق: فكل بعيد عن البدن يؤثِّر بعدُه في القلب; فليصبر على البعد في بداية الأمر صبر المصاب في بداية مصيبته، وليبتعد عن المحبوب، فلا يراه، ولا يسمع كلامه، ولا يرى ما يذكِّره به.
ثم إن مرَّ الأيام يهون الأمر، قال زهير بن الحباب الكلبي:

إذا ما شئت أن تسلو حبيباً     فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلَّى حبيبك غير نأيٍ     ولا أبلى جديدك كابتذالِ

 * وقال امرؤ القيس:

وإنك لم تقطع لبانة عاشق     بمثل رواح أو غدوٍّ مأوّبِ

6 - الاشتغال بما ينفع: فقد مرَّ قبل قليل أن من أسباب العشق الفراغَ; لذلك فكل ما يشغل القلب من المعاش، والصناعات، والقيام على خدمة الأهل، ونحو ذلك - فإنه يسلي العاشق; لأن العشق شغل الفارغ - كما مر -
 فهو يمثل صورة المعشوق في خلوته; لشوقه إليها; فيكون تمثيله لها إلقاءًا في باطنه; فإذا تشاغل بما يوجب اشتغال القلب بغير المحبوب - درس الحبُّ، ودثر العشق، وحصل التناسي.
7 - الزواج: ولو بغير من عشقها; فإن في الزواج كفايةً وبركة وسلوة.
وإن كان متزوجاً فليكثر من الجماع; فإنه دواء.
" ووجه كونه دواءًا أنه يقلل الحرارة التي منها ينتشر العشق، وإذا ضعفت الحرارة الغريزية حصل الفتور، وبرد القلب; فخمد لهب العشق ".
فإن كان المعشوق امرأة يمكن الزواج بها فليفعل; فذلك من أنفع الدواء; لأن النكاح يزيل العشق، وإن تعسر فليلجأ إلى الله في تسهيله، وليعامله بالصبر على ما نهى عنه، فربما عجل مراده.
وإن عجز عن ذلك، أو كان المعشوق لا سبيل إلى تحصيله كذات الزوج - فليلازم الصبر; وليسأل الله السلوَّ.
8 - عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، والنظر إلى الموتى، والتفكر في الموت وما بعده; فإن ذلك يطفئ نيران الهوى كما أن سماع الغناء واللهو يقويه; فما هو كالضد يضعفه.
9 - مواصلة مجالس الذكر: ومجالس الزهاد، وسماع أخبار الصالحين.
10 - قطع الطمع باليأس، وقوة العزم على قهر الهوى: فإن أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولَّد عن نظر، أو سماع، فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك - لم يحدث له العشق.
فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره، ولم يشتغل قلبه به - لم يحدث له ذلك.
فإن أطال مع ذلك الفكرَ في محاسن المعشوق، وقارنه خوفُ ما هو أكبر عنده من لذة وصاله، إما خوف من دخول النار، وغضب الجبار، وإدخار الأوزار، وغلب هذا الخوف على هذا الطمع - لم يحدث له العشق.
فإن فاته هذا الخوفُ، فقارنه خوف دنيوي كخوف إتلاف نفسه، أو ماله، أو ذهاب جاهه، وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعزّ عليه، وغلب هذا الخوف لداعي العشق - دفعه.
وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه، وأنفع من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة المعشوق - اندفع عنه العشق.
11 - المحافظة على الصلاة: وإعطاؤها حقها من الخشوع، والتكميل لها ظاهراً وباطناً.
قال - تعالى -: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) [العنكبوت: 45].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " فإن الصلاة فيها دفع مكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل محبوب وهو ذكر الله ".
12 - زجر الهمة الأبية: عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل; فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية; فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقَّه شيء، وما زال الهوى يذل أهل العز.
وهذا الذل لا يحتمله ذو أنفة; فإن أهل الأنفة حملهم طلب علو القدر على قتل النفوس، وإجهاد الأبدان في طلب المعالي، ونحن نرى طالب العلم يسهر ويهجر اللذات; أنفة من أن يقال له: جاهل، والمسافر يركب الأخطار; لينال ما يرفع قدره من المال; حتى إن رُذالة الخَلْق ربما حملوا كثيراً من المشاق; ليصير لهم قدر، وهذا القائل يقول:

وكل امرئ قاتل نفسه       على أن يقال له : إنه

فأما من لا يأنف الذل وينقاد لموافقة هواه - فذاك خارج عن نطاق المتميزين.
13 - شرف النفس، وزكاؤها، وحمِيَّتُها: فذلك يوجب أن تنأى عن الأسباب التي تحطّ قدرها، وتخفض منزلتها.
وإنما تعلو قيمة المرء، وتسمو مكانته بقدر نصيبه من شرف النفس، وزكائها، وحميتها; فإذا علمت نفس طاب عنصرها، وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية، وحياة وراء حياتها الطبيعية لم تقف بسعيها عند طمع بوصال، أو أمل بنظرة.
بل لا تستفيق جهدها، ولا يطمئن بها قرارها إلا إذا بلغت مجداً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء.
فلا يكون - إذاً - من وراء العشق إلا إذلال النفس، وموت الشرف، والضعة، والتسفل; أو ليس من الذل أن تكون حياة الإنسان معلقة بغيره، وسعادته بيد سواه; فهو مضطر إليه، وهولعبة في يديه، إن أقبل سَعُد، وإن أعرض شقي، وإن مال إلى غيره اسودت الدنيا في عينيه?
هذا - والله - الصغار بعينه، وهذا هو الذل الذي لا ينفع معه المال الكثير، ولا الجاه العريض.
أليست هذه هي حقيقة الحب، والعشق الذي ألّهه الشعراء? أليست هذه هي حال من غايةُ طموحه أن يواصله معشوقه بكلمة، أو إشارة، أو ما هو أدنى أو أعلى من ذلك?!
* قال الأعشى:

أرى سفهاً للمرء تعليق قلبه    بغانية خودٍ متى تدن تبعد

* وقال أبو فراس الحمداني مفتخرًا بشرف نفسه، عائباً على من سفلت همته، واسترقه هواه:

لقد ضلَّ من تحوي هواه خَرِيدةٌ     وقد ذل مَنْ تقضي عليه كَعابُ
ولـكـنـني والحمد لله حـازم     أعـزُّ إذا ذلـت لهن رقـابُ
ولا تملك الحسناء قلبي كـلّـَه      ولـو شمَّلَتْها رقّـَة وشبـاب

* وقال أبو علي الشبل:

وآنف أن تعتاق قلبي خريـدةٌ     بلحظ وأن يروي صداي رضاب
 وللقلب مني زاجر من مروءةٍ     يُجَنِّبُه طُـرْقَ الـهـوى فيجـاب

* وقال منصور الهروي:

خُلِقْتُ أبيَّ النفس لا أتبع الهوى    ولا أستقي إلا من المشرب الأصفـى
ولا أحمل الأثقال في طلب العلا   ولا أبتغي معروفأ من سامني خسفـا
ولست على طبع الذباب متى يُذَدْ   عن الشيء يَسقُطْ فيه وهو يرى الحتفا

* وقال ابن المقفع: " اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأقتلها للعقل، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة، والوقار - الغرامَ بالنساء.
ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفكُّ يأجم ما عنده، وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن.
وإنما النساء أشباه، وما يتزين في العيون، والقلوب من فضل مجهولات على معروفات باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن".
وقال: " ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلُبِّه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصور لها في قلبه الحسن، والجمال، حتى تَعْلَقَ بها نفسه من غير رؤية، ولا خبر مُخبر، ثم لعله يهجم منها على أدَمِّ الدمامة، فلا يعظه ذلك، ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزل مشغوفاً بما لم يَذُق حتى لو لم يَبْقَ في الأرض غيرُ واحدة لظن أن لها شأناً غير ما ذاق.
وهذا هوالحمق، والشقاء، والسفه ".
وبالجملة فشرف النفس وزكاؤها يقود إلى التسامي، والعفة، والجلالة; ذلك أن المرء بين عاطفة تخدعه، وشهوة تتغلب عليه; فمتى ما لم يجد من عقله سائساً، ومن دينه وازعاً يقاومان الضعف، ويصارعان الميول والأهواء - وقع في الخطايا، وانغمس في الشرور والرذائل.
وإن قوي على عصيان الهوى، والنفس، والشيطان، والشهوة، وثبت في مواقف هذا الصراع الهائل - كان في عداد المجاهدين، وترتب على انتصاره وفوزه جميع المكارم والفضائل التي تنتهي به إلى خيري الدنيا والآخرة.

ومن كان ذا نفس ترى الأرض جولةً     فلا بدَّ يوماً للسموات يرتقـي