الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

وقال - رحمه الله - في موضع آخر: " وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعزَّ عليهم شفاؤه، وهو - لعمر الله - الداء العضال، والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعزَّ على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره إلا وصعب على الخلق تخليصه من ناره.
وهو أقسام; تارة يكون كفراً، كمن اتخذ معشوقه ندَّاً يحبه كما يحب الله; فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه? فهذا عشق لا يغفر لصاحبه; فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك.
وعلامة العشق الشركي الكفري أن يقدم رضا معشوقه على رضا ربه، وإذا تعارض عنده حقُّ معشوقه، وحظُّه، وحقُّ ربه وطاعتُه - قدَّم حقَّ معشوقه على حقِّ ربه، وآثر رضاه على رضاه، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه - إن بذل - أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه - إن أطاعه - الفضْلَة التي تفْضُل عن معشوقه من ساعاته; فتأمل حال أكثر عشاق الصور تجدها مطابقة لذلك، ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزناً يرضي الله ورسوله ويطابق العدل " .
وقال - رحمه الله - متحدثاً عن أضرار العشق: " قالوا: وكم أكبَّت فتنة العشق رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم، وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالت من نعمة، وأحلَّت من نقمة، وكم أنزلت من معْقل عزِّهِ عزيزاً فإذا هو في الأذلين، ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل سافلين، وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلّت من ندم، وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد، وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء; فقلَّ أن يفارقها زوال نعمة، أو فجاءة نقمة، أو تحويل عافية، أو طُروق بلية، أو حدوث رزية; فلو سألت النِّعم ما الذي أزالك? والنِّقم ما الذي أدالك? والهمومَ والأحزان ما الذي جلبك? والعافية ما الذي أبعدك وجنَّبك? والستر ما الذي كشفك? والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك? والحياة ما الذي كدَّرك? وشمس الإيمان ما الذي كوَّرك? وعزة النفس ما الذي أذلَّك? وبالهوان بعد الإكرام بدَّلك - لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً.
هذه - والله - بعض جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ".
وقال - رحمه الله - في موضع آخر متحدثاً عن مكايد الشيطان ومصايده: " ومن مكايده ومصايده ما فتن به عشاق الصور.
وتلك - لعمر الله - الفتنة الكبرى، والبلية العظمى التي استعبدت النفوس لغير خلاَّقها، وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها، وألقت الحرب بين العشق والتوحيد، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد، فصيَّرت القلب للهوى أسيراً، وجعلته عليه حاكماً وأميراً، فأوسعت القلوب محنة، وملأتها فتنة، وحالت بينها وبين رشدها، وصرفتها عن طريق قصدها، ونادت عليها في سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان، وأعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن العالي في غرف الجنان، فضلاً عمّا هو فوق ذلك من القرب من الرحمن; فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألَمُها به أضعاف لذتها، ونيلُه والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها; فما أوْشَكَهُ حبيباً يستحيل عدواً عن قريب، ويتبرأ منه مُحِبُّه لو أمكنه حتى كأن لم يكن له حبيب، وإن تمتع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين لا سيما إذا صار ( الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ) إلى أن قال - رحمه الله -: " فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس، وشهوة ذهبت لذتها، وبقيت تبعتها، وانقضت منفعتها، وبقيت مضرتها; فذهبت الشهوة، وبقيت الشقوة، وزالت النشوة، وبقيت الحسرة; فوارحمتاه لصبٍّ جُمع له بين الحسرتين: حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النصب في العذاب الأليم.
فهناك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع، وأن مَنْ كان يملك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع; فأي مصيبة أعظم من مصيبة مَلِكٍ أُنزل عن سرير ملكه، وجُعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكَه أسيراً، وجُعل تحت أوامره ونواهيه مقهوراً? فلو رأيته وهو في يد محبوبه لرأيته:

كعصفورة في كف طفلٍ يسومها       حياض الردى والطفل يلهو ويلعب

ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت:

وما في الأرض أشقى من محـبٍّ    وإن وجد الهوى حُلْوَ المـذاقِ
 تراه باكياً فـي كـل حيـــن     مخافـةَ فرقـةٍ أو لاشتيــاقِ
فيبكـي إن نـأوا شـوقاً إليهــم     ويبكي إن دنوا حذرَ الفـراقِ

ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا أنْ ليس يلتقيان، ولو شاهدت فيض مدامعه، ولهيب النار في أحشائه لقلت:

سبحان ربِّ العرش مُتقنِ صُنْعه      ومؤلِّفِ الأضداد دون تعاند
قطر تولَّد عـن لهيب فـي الحشا     ماء ونـارٌ في محل واحـد

ولو شاهدت مسلك الحبِّ في القلب، وتغلغله فيه - لعلمت أن الحب ألطف مسلكاً فيه من الأرواح في أبدانها.
فهل يليق بعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب? ويوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لا غناء له عنه، ولا بد له منه - أعظم الحجاب?
فالمحب بمن أحبه قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لَبَّاه، وإن قيل له: ما تتمنى? فهو غاية ما يتمناه، لا يأنس، ولا يسكن إلى سواه; فحقيق به ألا يُمَلِّك رقَّه إلا لأجلِّ حبيب، وألا يبيع نصيبه منه بأبخس نصيب ".