الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

 8/ رجوع الحسنات إلى التائب بعد التوبة: فإذا كان للعبد حسنات ثم عمل بعدها سيئات استغرقت حسناتِه القديمة وأبطلتها، ثم تاب بعد ذلك توبةًً نصوحاً - عادت إليه حسناته القديمة، ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها.
بل يقال له: تُبْتَ على ما أسلفت من خير؛ فالحسنات التي فعلتها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره: من عتاق، وصدقة، وصلة.
قال حكيم بن حزام - رضي الله عنه -: " قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية: من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم؛ فهل فيها من أجر ؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أسلمتَ على ما أسلفت من خير " .
قال ابن حجر - رحمه الله - في شرح هذا الحديث: " لا مانع من أن يضيف الله إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر؛ تفضلاً، وإحساناً " .
وقال ابن القيم - رحمه الله - مبيناً العلة في ذلك: " وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن؛ فتلاقت الطاعتان، واجتمعتا، والله أعلم " .
9/ هل التوبة تُرْجِـعْ العبدَ إلى حاله قبل معصيته ؟: فإذا كان للعبد حال أو مقام مع الله، ثم نزل عنه لذنب ارتكبه ثم تاب منه؛ فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما كان أو لا يعود ؟ أو يعود إلى أنقصَ من رتبته ؟ أو يعود خيراً مما كان ؟ والجواب أن هذه المسألة قد اختلف فيها السلف على أقوال شتى، ومن أحسن من أجاب على تلك المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فلقد فَصَلَ الخطاب في هذه المسألة بكلام كافٍ شاف.
قال ابن القيم - رحمه الله - في معرض كلامه على المسألة الماضية: " وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة؛ فإما سألته، وإما سئل عن الصواب منها فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان؛ فإن كان بعد التوبة خيراً مما كان قبل الخطيئة وأشد حذراً، وأعظم تشميراً، وأعظم ذلاً وخشية وإنابة - عاد إلى أرفع مما كان.
وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها - عاد إلى أنقص مما كان عليه.
وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى منزلته.
هذا معنى كلامه " .
وعلى هذا فإنه ينبغي التفطن لهذه المسألة خصوصاً من كان له حال مع الله، وكان ذا خشية، وعلم، وتألُّه، وإنابة، ومسارعة إلى الخيرات، ثم طاف به طائف من الشيطان، فَأزَلَّه، وأغواه، وطوَّح به عن قصد السبيل، أو أنزله عن منزلته السابقة؛ ففقد أنسه بربه، ودب إليه الضعف والفتور، وترك ما كان يقوم به من خير ومسارعة.
وهذه مسألة تعتري كثيراً من الناس، فيستسلمون لها، ويركنون إلى خاطر اليأس من العودة إلى الحال السابقة، فيظنون أن لا رجعة إلى ما كانوا عليه من الخير والقرب من الله.
فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يستسلم للشيطان، وألا ييأس من رجوعه إلى ما كان عليه من منزلة، بل عليه أن يجتهد بالتوبة النصوح، وأن يشمر عن ساعد الجد؛ لتدارك ما فات بالأعمال الصالحات؛ فلربما عاد إلى مقامه السابق، بل ربما عاد أكمل مما كان عليه.
وليس ذلك ببعيد على من كان ذا نفس شريفة، وهمة عالية، ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) [الرعد: 11].

ولا بعد من خير وفي الله مطمع     ولا يأس من روح وفي القلب إيمان

10/ على كل عضو توبة: فتوبة العين كفها عن النظر إلى الحرام، وتوبة الأذن كفها عن سماع الحرام، وتوبة الرجل كفها عن المشي إلى الحرام، وتوبة اليد كفها عن فعل الحرام، وتوبة القلب تخليصه من كل ما ينافي سلامته من الشرك، والحسد، والغل، والحقد، ونحو ذلك...
11/ فعل معصية من المعاصي لا يسوغ فعل غيرها: فإذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي فإن ذلك لا يسوغ له فعل غيرها؛ بحجة أنه لم يتب بعد، أو لم يستقم استقامة حقة.
فسماع الحرام لا يسوغ رؤية الحرام، وأكل الربا لا يسوغ شرب الخمر، وهكذا...
12/ فعل المحرمات لا يسوّغ ترك الطاعات: فإذا ابتلي العبد ببعض المحرمات كأكل الربا، أو سماع الحرام، أو شرب الخمر - فإن ذلك لا يسوغ له ترك الصلاة - مثلاً - لأن الشيطان قد يلقي في قلب ذلك العاصي أنه منافق؛ إذ كيف يصلي وهو مصر على ارتكاب بعض المعاصي ؟.
وما يريد عدو الله من ذلك إلا زيادة الإثم على العاصي، أو إخراجه من دائرة المعصية إلى دائرة الكفر.
ثم إن ترك الأوامر أعظم من ارتكاب المناهي.
قال سهل بن عبدالله - رحمه الله -: " ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها، فتاب عليه، وإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد، فلم يتب عليه " .
وقال ابن تيمية - رحمه الله -: " الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات، وأفضل؛ فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغضُ إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية " .
ولقد علق ابن القيم - رحمه الله - على كلمة سهل بكلام عظيم.
قال: " قلت: هذه مسألة عظيمة لها شأن، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي، وذلك من وجوه عديدة " .
ثم شرع في ذكر ثلاثة وعشرين وجهاً بين من خلالها صحة القاعدة السابقة.
ثم قال بعد أن سرد تلك الوجوه: " وسر هذه الوجوه أن المأمور به محبوبه، والمنهي عنه مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه، والله أعلم " .
13/ فعل المعاصي لا يسوغ المجاهرة بها أو الدعوة إليها: لأن ذلك أشنع في الجرم، وأبعد عن المعافاة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين " .
وقال: " من دل على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً " .
14/ فِعْلُ المعاصي لا يسوغ للإنسان بغضَ الطاعةِ وأهلِها، وحبَّ المعصيةِ وأهلها: بل يجب عليه أن يجاهد نفسه على حب الطاعة وأهلها وإن كان مقصراً فيها ولم يلحق بأهلها، وأن يبغض المعصية وإن كان واقعاً فيها ومعدوداً من أهلها؛ فالمرء يحشر مع من أحب، ويؤجر على حب الخير وبغض الشر.
قال الشافعي - رحمه الله - متواضعاً:

أحب الصالحين ولست منهم     لعلي أن أنال بهم شفاعه
وأكره مَنْ تجارته المعاصي     ولو كنا سواء في البضاعه

15/ إساءة فلان من الناس لا تسوغ للإنسان الإساءة، وإساءة الأمس لا تسوغ إساءة اليوم: فلا يسوغ للإنسان أن يسيء بحجة أن فلاناً من الناس قد أساء؛ فكلٌّ مسؤولٌ عن نفسه، وكلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة.
كذلك إساءة الإنسان في وقت ما - لا تسوغ له أن يسيء، أو أن يستسهل الإساءة في وقت آخر.
قال ابن حزم - رحمه الله -: " لم أرَ لإبليس أصْيَدَ ولا أقبح من كلمتين ألقاها على ألسنة دعاته، إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله.
والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم؛ لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما؛ لأنه قد أساء في غيره.
فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مسهلتين للشر، ومدخلتين له في حد ما يعرف، ويحمل ولا ينكر "