الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

عــــلاج الطيــــــرة

الطيرة داء عضال ، وسمٌّ قتَّال ؛ لما لها من الأثر على عقل المتطير ، ودينه ، وخلقه .
ولكن علاجها ـ بحمد الله ـ ميسور لمن أراده ، وسعى له سعيه .
ولقد مرَّ شيء من ذلك في ثنايا الصفحات الماضية ، وفيما يلي ذكر لبعض العلاجات لمن وقع في الطيرة .
1 / استحضار ضرر الطيرة : فهي نقص في العقل ، وفساد في التصور ، وانحراف عن سوء الصراط .
وهي موجبة لانقباض النفس ، وسوء الخلق ، وفوات الخير .
وهي من كيد الشيطان ، وتخويفه ، ووسوسته ، وإغوائه .
وهي مفسدة للتدبير ، منغصة للعيش ، مسببة للخذلان .
وأعظم من ذلك أن الطيرة باب إلى الشرك ؛ إذ هي منازعة لله في شرعه وقدره ، وهي مفضية إلى أبواب الدجل والخرافة .
فإذا استحضر العاقل ضرر الطيرة أقصر عنها ، ولم يعد يلتفت إليها .
2 / المجاهـدة : فقد تكون الطيرة مستحكمة في الإنسان ، متمكنة من عقله .
وعلاج ذلك بالمجاهدة ، وترك الاسترسال مع ما يلقيه الشيطان في رُوعه ، وبتكلف ذلك مرة إثر مرة حتى يزول أثر الطيرة من قلبه .
3 / الإيمان بالقضاء والقدر : وذلك بأن يعلم الإنسان علم اليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب له ؛ فذلك يحسم مادة الطيرة ، ويزيل أثرها من القلب ؛ فمن سلم لله ، واستسلم له لم يبق للخوف في قلبه موضع .
" وفي التسليم ـ أيضاً ـ فائدة لطيفة ، وهي أنه إذا سلمها لله فقد أودعها عنده ، وأحرزها في حرزه ، وجعلها تحت كنفه ؛ حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عادٍ ، ولا بغي باغٍ عاتٍ " .
4 / إحسان الظن بالله : فذلك موجـب لراحة القلب ، وطمأنينة النفس ، فالله ـ عز وجل ـ عند ظن العبد به ؛ فالمؤمن الحق يحسن ظنه بربه ، ويعلم بأنه ـ عز وجل ـ لا يقضي قضاء إلا وفيه تمام العدل ، والرحمة ، والحكمة ؛ فلا يتهم ربَّه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره .
وذلك يوجب له استواء الحالات عنده ، ورضاه بما يختار له سيده ، كما يوجب انتظار الفرج ، وترقَّبه .
وذلك يخفف حمل المشقة ، ولا سيما مع قوة الرجاء ، أو القطع بالفرج ؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوْح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف ، وما هو فرج مُعَجَّل .
5 / التوكل على الله ـ عز وجل ـ : والتوكل في لسان الشرع إنما يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل ، واستمداد المعونة منه ، والاعتماد عليه وحده ؛ فذلك سر التوكل وحقيقته .
والشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه مطوياً على سراج من التوكل والتفويض ، والذي يحقق التوكل هو القيام بالأسباب المأمور بها ؛ فمن عطَّلها لم يصحَّ توكله .
فإذا توكل العبد على ربه ، وسلم له ، وفوض إليه أمره ـ أمده الله بالقوة ، والعزيمة ، والصبر ، وصرف عنه الآفات التي هي عُرْضةُ اختيار العبد لنفسه ، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه .
وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ، ويفرغ قلبه من التقديرات ، والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة ، وينزل في أخرى .
ومتى صح تفويضـه ، ورضاه اكتنفـه في المقدورِ العطفُ عليه ، واللطف فيه ؛ فيصير بين عطفه ولطفه ؛ فعطفه يقيه ما يحذره ، ولطفه يهوِّن عليه ما قدِّر له .
ومع هذا فلا خروج للعبد عما قدر عليه ؛ فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود ، مشكور ، ملطوف به .
وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به .
وصدق الله إذ يقول : ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [آل عمران : 159] .
6 / الاستعاذة بالله : فالطيرة ـ كما مر ـ من وساوس الشيطان ، وتخويفه .
فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان أعاذه الله منه ، ووقاه من كيده ووسوسته .
قال ـ تعالى ـ : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [فصلت : 36] .
7 / استعمال الاستخارة : فالاستخارة علاج نبوي ناجع لمن تعارضت عنده الأمور ، وصعب عليه الاختيار ؛ فحري بمن أراد الإقدام على أمر يترتب عليه ما يترتب ألا يستهين بأمر الاستخارة ؛ فهي تفتح له الأبواب ، وتزيل عنه الحيرة ، والتردد والاضطراب ؛ فإذا أقدم على أمره ـ أقدم ونفسه مطمئنة ، وإذا أحجم أحجم وقد طابت نفسه منه .
ولهذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم أصحابه الاستخارة .
عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول : " إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم يقول : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ؛ فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ، ومعاشي ، وعاقبة أمري ، أو قال : في عاجل أمري وآجله ـ فاقدره لي .
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي ، وعاقبة أمري ، أو قال : في عاجل أمري ، وآجله ـ فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رَضِّني به ، ويسمي حاجته " .
قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ : " الاستخارة هي استفعال من الخير ، أو من الخِيَرة بكسر أوله وفتح ثانيه بوزن العِنبة : اسم من قولك : خار الله له .
واستخار الله : طلب منه الخِيَرة ، وخار الله له : أعطاه ما هو خير له .
والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما " .
قال النووي ـ رحمـه الله ـ : " وقال العلماء : تستحب الاستخارة بالصلاة ، والدعاء المذكور ، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة ، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب ، وبتحية المسجد ، وغيرها من النوافل ، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون َ) ، وفي الثانية : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ).
ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء " .
قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ : " وأفاد النووي أنه يقرأ في الركعتين : الكافرون ، والإخلاص .
قال شيخنا في شرح الترمذي : لم أقف على دليل ذلك ، ولعله ألحقهما بركعتي الفجر ، والركعتين بعد المغرب .
قال : ولهما مناسبة بالحال ؛ لما فيهما من الإخلاص والتوحيد ، والمستخيرُ محتاجٌ لذلك " .
وقال ابن حجر ـ رحمه الله ـ : " قال ابن أبي جمرة : الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة ؛ فيحتاج إلى قرع باب الملك ، ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة ؛ لما فيها من تعظيم الله ، والثناء عليه ، والافتقار إليه مآلاً وحالاً " .
قال النووي ـ رحمه الله ـ : " ثم إن الاستخارة مستحبة في جميع الأمور ، كما صرح به نص هذا الحديث الصحيح ، وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره ، والله أعلم " .
هذه بعض الأمور المعينة على علاج الطيرة ، بل والوقاية منها لمن لم يقع فيها .