الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

31 / الزم الشورى : وإياك والاستبدادَ؛ فإنه بئس الاستعداد، واستشر الأمناء الأتقياء، واستنر برأيهم.
32 / أقم الصلاة : فالصلاة قرة عيون المحبين في هذه الدنيا؛ لما فيها مِنْ مناجاة مَنْ لا تَقَرُّ العيون إلا به، ولا تطمئن القلوب إلا بذكره، ولا تسكن النفوس إلا إليه، ولا تحلو الحياة إلا بالقرب منه، والخضوع والتذلل له؛ فالمحب راحته، وقرة عينه في الصلاة؛ فاحرص على إقامتها على هيئاتها، وأركانها، وواجباتها، وسننها، واحرص على الخشوع فيها تنل من الخير بقدر حرصك عليها.
33 / وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر : حسب قدرتك وطاقتك، مراعياً الحكمة في شأنك كله.
34 / ورتل القرآن ترتيلاً : فاحرص كل الحرص على حفظ القرآن، وتدبره، والعمل به، وأكثر من تلاوته آناء الليل وآناء النهار؛ فهو مأدبة الله في أرضه، وهو الذي يهدي للتي هي أقومُ، ويدفعُ إلى الكمالاتِ، ويملأُ النفوس بعِظَم الهِمَّة، وهذا العِظَمُ هو الذي قَذَفَ بأوليائه ذات اليمينِ وذات الشمالِ، ففتحوا القلوبَ والبلادَ، وفَجَّروا أنهارَ العلوم تفجيراً.
وإذا رأينا من بعض قُرائه هِمماً ضعيفةً، ونفوساً خاملةً ـ فلأنهم لم يتدبروا آياتِهِ، ولم يتفقهوا في حِكَمِهِ.

وكتابُ ربِّك إن في نفحاته        من كل خير فوق ما يتوقعُ
نورُ الوجودِ وأنسُ كلِّ مروَّعٍ        بكروبه ضاق الفضاء الأوسعُ
والعاكفون عليه هم جلساء مَنْ       لجلاله كلُّ العوالم تخضعُ
فادفن همومك في ظلال بيانه         تَحْلُ الحياة وتطمئن الأضلعُ
فبكلِّ حرفٍ من عجائب وحيه      نبأٌ يبشر أو نذير يقرعُ

35 / وخالق الناس بخلق حسن : وجماعُ ذلك أن تصلَ من قطعك، وتعطي من حَرَمَك، وتعفو عمن ظلمك، ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ )[الأعراف: 199] .
36 / وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب : فإذا خلوت من التَّعَلُّم، والتَّفكر، والأعمال ـ فَحَرِّك لسانَك بذكر الله، وشكره، واستغفاره، ودعائه، وتسابيحه، وخاصة عند النوم؛ كي يَتَشَرَّبَهُ لُبُّك، ويَتَعَجَّن في خيالك، وتتكلمَ به في منامك.
أخي العزيز المبارك، لقد أطلتُ عليك، وما ذاك إلا لأني أعرف من أخاطب، ولو خاطبتُ غيرك لما خاطبته هكذا، ولما طالبته إلا بالقليل مما مضى، بل إن في جعبتي مما لم أقُلْهُ أكثرَ وأكثرَ، ولكن كما قيل:

وفي النفس حاجاتٌ وفيكم فطانةٌ

فأسأل الله ألا يُخَيِّبَ ظني فيك، وأن يجعلك فوقَ ما أظن، وألا أراك في كل حين إلا وأنت أفضلُ من ذي قبل.
هذه كلماتٌ أحْبَبْتُ كتابتها إليك، عسى الله أن ينفعني بها وإياك.

فإذا ما قَصَّرَتْ أقلامُنا          عن حقوق للأخلاءِ كبارِ
فالذي قد حلَّ في الصدر من الـ      ـودِّ يكفي عن كثير الإعتذارِ

وأخيراً؛ لا يسعني وأنا أضع يدي عن شَبَاةِ القلم إلا أن أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى ـ أن يجعلكَ من أوليائه وأصفيائه، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت، وأسأله أن يُقرَّ أعيننا برؤيتك عالماً من علماء المسلمين، وأن يقِرَّ عين والديك بصلاحك وفلاحك وبرك، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وقبل أن أودعك أسوق لك هذه الأبيات التي تصف حال الطالب النجيب:

باكرتَ تجني العلمَ كلَّ صباح        ونبذت أهل بَطالة وطلاح
في همةٍ وقّادةٍ، وعزيمةٍ       ليست بذات خلابة ومزاح
لا تصطبيك الغانيات بزينة      كلا، ولا الصهباءُ في الأقداح
عند المصيبة لست ذا جزعٍ ولا      عند المسرة بالفتى المفراح
تلقى الصحاب بكل ودٍّ خالص     تبديه صفحةُ وجهك الوضَّاح
وعليك من خِلَع الحياء سكينةٌ     ومهابةٌ مقرونة بسماح
إن جنَّ ليلٌ قمت في غسق الدجى     وطرقت باب إلهك الفتاح
تتلو الكتاب برقةٍ، وتدَبُّرٍ     تدعو بقلب الخاشع الملحاح
ولربما طال الدعاء وآذنت     بوداع ليلك غرةُ الإصباحِ
أما أنيسك فهي كُتْب قد حوت     علماً يُمِدُّ أولي النهى بسلاح
نعم المؤيدُ للتقيِّ وذي الحجا     نعم المؤنِّسُ للفتى الطَّمَّاح
وصِحابك الأخيار لا تبغي بهم     بدلاً، فهم جندٌ من الأرواح
ما ودهم مذقٌ، ولا أقوالهم     هذرٌ، ولا أفعالهم بقباح
وإذا سألك فسُؤلَ من يبغي الهدى     لا سؤل غِطريس ولا بوقاح
وإذا نطقت فمنطق العقلاء لا     هُجْر يشين ولا بقول اللاحي
أدبٌ وإنصاتٌ، ولينُ عريكة     وتعاملٌ بالنَّصف والإسجاح
كرمٌ، وطيبُ سريرةٍ، وتودُّدٌ     ومآثرٌ بيضٌ وخفضُ جناح
حزت العلا والمجد من أطرافه     فكأنما وُشِّحْتَهُ بوشاح
يا أيها الغطريف، لا تركن إلى     دعةٍ، ولا تحفل بطيب مراح
من للخطوب وقد غشت وتواترت      وأتت مع الإمساء والإصباح
كيف الفلاح لأمة مرزوءة     لا تستجيب لحكمة النُّصاح
إن أنت آثرت السلامة قانعاً     بالدون لا تسعى لنيل فلاح
يا أيها النحرير، شمِّر واجتهد     هذي العلا فانزل لها في الساح
أنت المؤمل بعد لطف إلهنا     في كشف غمتنا وبرء جراح
بالعلم بالتقوى بنشر للهدى     بالسعي بين الناس في الإصلاح
أوتيت أنوار الهدى فحذار     أن تَطغى فتُلقى في الردى يا صاح

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

                                                أخوك، ومحبك
                                                  محمد بن إبراهيم الحمد
                                                الزلفي11932 ص.ب 460