أمور تعين على التوبة
وبعد أن تبين لنا معنى التوبة، وأهميتُها، وفضلُها، وشيءٌ من أحكامها، ومسائلها، وأخطاء الناس في شأنها ـ هذه أمور معينة على التوبة؛ عسى الله أن يذكر بها ناسياً، وينبه بها غافلاً؛ فمن تلك الأمور ما يلي:
1- الإخلاص لله، والإقبال عليه ـ عز وجل ـ: فالإخلاص لله أنفع الأدوية؛ فإذا أخلص الإنسان لربه، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، وأمده بألطاف لا تخطر بالبال، وصرف عنه الآفات التي تعترض طريقه، وتصده عن التوبة؛ ذلك أن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن شيء عنده، أحلى، ولا ألذ، ولا أمتع، ولا أطيب من ذلك.
والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إليه، أو خوفاً من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أوبالخوف من الضرر.
قال الله ـ تعالى ـ في حق يوسف: ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) [يوسف: 24].
فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله.
ولهذا تغلب الإنسان نفسُه على اتباع هواها قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له، فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي قلبه ـ انقهر قلبه بغير علاج.
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه فأحيا قلبه، واجتذبه إليه؛ فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك ".
بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلباً، وإرادة، وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مرّ به عطفه، وأمالَهُ؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً.
وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.
ومن لم يكن خالصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه " .
2- امتلاء القلب من محبة الله ـ عز وجل ـ: فالمحبة أعظم محركات القلوب؛ فهي الباعث الأول للأفعال والتروك.
وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة؛ فالقلب إذا خلا من محبة الله تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر الرغائب والمحبوبات، فشتَّتته، وفرقته، وذهبت به كل مذهب.
فإذا امتلأ القلب من محبة الله ـ بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة ـ كمل أنسه، وطاب نعيمه، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقراً ذاتياً، وجوعة، وشعثاً، وتَفَرُّقاً.
ولا يغني هذا القلب، ولا يلم شعثه، ولا يسد خلته إلا عبادة الله، ومحبته.
فأجدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله؛ ففي ذلك سروره، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه؛ فمحبة الله ـ عز وجل ـ أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة، وترك المخالفة أقوى، وإنما تَصْدُر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة؛ فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى جوارحه، وعلامة صدق هذه المحبة شهود هذا المراقبِ، ودوامُه.
وههنا مسألة لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن تلك المحبة لابد أن تقرن بإجلال الله وتعظيمه؛ فذلك يوجب الحياء والطاعة؛ ذلك أن المحبة الخالية عنهما لا تحمل على ترك المعاصي، وإن أوجبت نوعَ أنسٍ واشتياق؛ فما عَمَر القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه.
3- المجاهدة: فهي عظيمة النفع، كثيرة الجدوى؛ معينة على الإقصار عن الشر، دافعة إلى المبادرة إلى الخير؛ ذلك أن النفوس طلعة إلى الشرور، مؤثرة للكسل والبطالة؛ فإذا راضها الإنسان، وجاهدها في ذات الله فليبشر بالخير، والإعانة، والهداية ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )[العنكبوت: 69].
قال ابن المبارك ـ رحمه الله ـ:ومن البلايا علامة ألا يرى لك من هواك نزوع
العب عبد النفس في شهواتها والحر يشبع تارة ويجوعويقولون: إن سليمان بن عبد الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا البيت:
إذا أنت لم تعصِ الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال
ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات، وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات.
4- قِصَر الأمل، وتذكُّر الآخرة: فإذا تذكر المرء قِصَرَ الدنيا، وسرعة زوالها، وأدرك أنها مزرعة للآخرة، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، وما في النار من النكال والعذاب الأليم ـ أقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعث إلى التوبة النصوح وتدارك ما فات بالأعمال الصالحات.قصر الآمال في الدنيا تفز فدليل العقل تقصير الأمل
عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ".
وكان ابن عمر يقول: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك ".
قال ابن عقيل ـ رحمه الله ـ: " ما تصفو الأعمال والأحوال إلا بتقصير الآمال؛ فإن كل من عدَّ ساعته التي هو فيها كمرض الموت ـ حسُنَتْ أعمالُه، فصار عمره كله صافياً ".
5- الاشتغال بما ينفع، وتجنب الوحدة والفراغ: ذلك أن الفراغ يأتي على رأس الأسباب المباشرة للانحراف؛ فالقطاع الكبير من الشباب يعاني من فراغ قاتل يؤدي إلى الانحراف والشذوذ، وإدمان المخدرات، ويقود إلى رفقة السوء، وعصابات الإجرام، ويتسبب في تدهور الأخلاق، وضيعة الآداب؛ فإذا اشتغل الإنسان بما ينفعه في دينه ودنياه قلَّت بطالته، ولم يجد فرصة للفساد والإفساد.