رابعاً : من أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكرم الخلق أخلاقاً ، وأعلاهم فضائل وآداباً ، امتاز بذلك في الجاهلية قبل عهد النبوة فكيف بأخلاقه بعد النبوة ؟ .
وقد خاطبه ربُّه ـ تبارك وتعالى ـ بقوله له : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [القلم : 4] .
لقد أدَّبهُ ربُّه ، فأحسن تأديبه ، وربَّاه فأحسن تربيته ، فكان خُلُقهُ القرآن الكريم ، يتأدب به ، ويؤدب الناس به ، فمن أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان أحلم الناس ، وأعدلهم ، وأعفَّهم ، وأسخاهم .
وكان يخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويعين أهله في المنزل ، ويقطع اللحم معهن ، وكان أشد الناس حياءً ، لا يثبت بصره في وجه أحد .
وكان يجيب الدعوة من أي أحد ، ويقبل الهدية ولو قلَّت ، ويكافىء عليها ، وكان يغضب لربِّه ، ولا يغضب لنفسه ، وكان يجوع أحياناً فيعصب الحجر على بطنه من الجوع ، ومرة يأكل ما حضر ، ولا يرد ما وجد ، ولا يعيب طعاماً قط ، إن وجد تمراً أكله ، وإن وجد شواءً أكله ، وإن وجد خبزَ برٍّ أو شعير أكله ، وإن وجد حلواً أو عسلاً أكله ، وإن وجد لبناً دون خبز اكتفى به ، وإن وجد بطيخاً أو رطباً أكله .
وكان يعود المرضى ، ويشهد الجنائز ، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس .
وكان أشد الناس تواضعاً ، وأسكنهم من غير كِبْر ، وأبلغهم من غير تطويل ، وأحسنهم بشراً ، لا يهوله شيء من أمور الدنيا .
وكان يلبس ما وجد ، فمرة شملة ، ومرة جبة صوف ، فما وجد من المباح لبس .
يركب ما أمكنه ، مرة فرساً ، ومرة بعيراً ، ومرة بغلة شهباء ، ومرة حماراً ، أو يمشي راجلاً حافياً .
يجالس الفقراء ، ويؤاكل المساكين ، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم ، ويتألف أهل الشرف في البر لهم ، ويصل ذوي الرحم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم .
لا يجفو على أحد ، يقبل معذرة المعتذر إليه ، يمزح ولا يقول إلا حقاً ، يضحك من غير قهقهة ، يسابق أهله ، ترفع الأصوات عليه فيصبر .
وكان لا يمضي عليه وقت في غير عمل لله ـ تعالى ـ أو فيما لابد له منه من صلاح نفسه .
لا يحتقر مسكيناً لفقره وزمانته ، ولا يهاب مَلِكاً لمُلكِهِ ، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستوياً ، قد جمع الله له السيرة الفاضلة ، والسياسة التامة ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب .
نشأ في بلاد الفقر والصحاري في فقره ، وفي رعاية الغنم يتيماً ، لا أب له ، فعلمه الله ـ تعالى ـ جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة ، وأخبار الأولين والآخرين ، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة ، والغبطة والخلاص في الدنيا .
ما كان يأتيه أحد إلا قام معه في حاجته ، ولم يكن فظاً ، ولا غليظاً ، ولا صخَّاباً في الأسواق ، وما كان يجزي السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح .
وكان من خُلُقه أن يبدأ من لقيه بالسلام ، ومَنْ قادَمَهُ لحاجةٍ صابره حتى يكون القادم هو المنصرف .
وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر .
وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة ، ثم أخذ بيده فشابكه ، ثم شدَّ قبضته عليه .
وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعاً ، ويمسك بيديه عليهما ، ولم يكن يُعْرَفُ مجلسُهُ من مجلس أصحابه ؛ لأنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس .
وما رُئِيَ قط ماداً رجليه بين أصحابه ؛ حتى لا يضيقَ بهما على أحد إلا أن يكون المجلس واسعاً لا ضيق فيه .
وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليس بينه وبينه قرابة يُجْلِسه عليه .
وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحتـه ، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل .
وما استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه ؛ وكان يعطي من جلس إليه نصيبه من وجهه ، وسمعه ، وحديثه ، ولطيف محاسنه ، وتوجيهه .
ومَجْلسُه مع ذلك مجلسُ حياء ، وتواضع ، وأمانة .
وكان يدعو أصحابه بكناهم ؛ إكراماً لهم ، واستمالة لقلوبهم ، وكان يكني من لم تكن له كنية ، وكان يكني النساء اللاتي لهن أولاد ، واللاتي لم يلدن يبتدىء لهن الكنى ، وكان يكني الصبيان فيستلين قلوبهم .
وكان أبعد الناس غضباً ، وأسرعهم رضاً ، وكان أرأف الناس بالناس ، وخير الناس للناس ، وأنفع الناس للناس .
وكان يحب اليسر ، ويكره العسر ، ولا يشافه أحد بما يكره ، ومن رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه .
هذه بعض أخلاقه وشمائله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .