21- قلة الاهتمام بإعادة المعار من الجيران إليهم: فمن الناس من يستعير بعض ما يحتاج إليه من جيرانه، ولكنه لا يأبه بإعادة ذلك المستعار، وربما كان الجيران يحتاجون إلى ما أعاروه.
بل إن من الناس من يستعير ويجحد ما استعاره.
وهذا لا يحسن في حق كل أحد فضلاً عن الجار، ولقد جاء في سبب قطع يد المرأة المخزومية التي أهَمَّ قريشاً أمْرُها أنها كانت تستعير المتاع وتجحده.
22- قلة المبالاة بدعوة الجار إلى الولائم والمناسبات: إما نسيانًا، أو تهاونًا، أو نحو ذلك، وهذا الأمر لا يَحْسُن؛ فهو مما يوغر الصدر، ويورث لدى الجار الشكوك في جاره؛ فقد يظن أنه محتقر له، غير مبالٍ به، فحري بالجار أن يحرص على دعوة جيرانه خصوصًا في المناسبات العامة، خاصة وأن الجار يرى المدعوين يتوافدون إلى بيت جاره.
كما يحسن بالجار إذا لم يُدْعَ ألا يعْظُم ذلك في نفسه، وألا يتشوف إلى دعوة جاره له.
بل يجمل به أن يحسن الظن بجاره، وأن يلتمس له أحسن المخارج والمعاذير؛ فذلك من دلائل السمو، وكرم النفس، ورسوخ القدم في الفضيلة.
23- ترك الإجابة لدعوة الجار: فمن الناس من يدعوه جاره، ويستضيفه مرارًا، ولكنه لا يجيب الدعوة، بل يكثر من الاعتذارات، ويحتج بكثرة المشاغل والارتباطات.
وقد يكون صادقاً فيما يقول، ولكن ذلك لا يعفيه من إجابة الجار في بعض الأحيان، وإلا فلا أقل من التلطف في الاعتذار؛ حتى يقبل الجار.
وإن رأى أن ذلك لا يجدي فليوافق، وليجب الدعوة؛ لأن الشيطان متربص ببني آدم؛ فربما شعر الجار بدنو منزلته، وأنه ليس أهلاً لأن يزار، وربما ساورته الظنون بأن جاره يحتقره، ولا يراه إلا هملاً مضاعًا، أو لقىً مزدرىً خصوصًا إذا كان المدعوُّ ذا منصب ومنزلة.
على أنه يحسن بالجار أن يبسط عذر جاره إذا اعتذر عن المجيء إليه؛ فالعاقل لا يستوفي حقه كاملاً، بل يرضى بالقليل وبالعفو الذي يأتيه من جيرانه، والكريم يقضي الناس حقوقهم، ويتغاضى عن حقه إذا قُصِّر فيه؛ فذلك أبقى للود، وأحفظ لما بين الأحبة من العهد.إذا أنت لم تستبق ودَّ صحابةٍ على دَخَنٍ أكثرت بثَّ المعايب
24- قلة التناصح بين الجيران: فعن أبي رقية تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الدين النصيحة - ثلاثًا " قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
فالنصيحة واجبة لعموم المسلمين، وهي في حق الجار أوجب وآكد، ومع ذلك قلَّ من يحرص عليها ويسديها لجيرانه، مع أنه يوجد من بين الجيران من لا يشهد صلاة الجماعة، وقد يوجد فيهم من يتعاطى المسكرات، وقد يوجد من يدخل آلات الفساد في بيته، وقد يوجد بينهم من يعق والديه، أو يقطع أرحامه، أو يؤذي جيرانه بأنواع من الأذى.
وقد يوجد من بينهم من هو متلبس بكثير من المخالفات الشرعية.
ومع ذلك يندر أن تجد من يُعْنى بالنصيحة، ويقْدُرُها قدرها؛ فيقوم بمناصحة جيرانه بالأسلوب الحكيم المناسب.
ومن هنا تتزايد الشرور، وتترسخ، وتُسْتَمْرأ.
فواجب على الجيران أن يتناصحوا فيما بينهم، وأن يُكَمِّل بعضهم بعضًا، حتى تشيع فيهم المحبة، وتُرْفَعَ عنهم العقوبة.
25- التكبر عن قبول النصيحة، والزراية بالناصح: فقد توجد النصيحة، وقد يبذلها ناصح مشفق أمين، ومع ذلك لا تجد أفئدة مصغية، ولا آذانًا مصيخة، بل إن هناك من يردها، ويزري بمن أسداها.
بل ربما أساء الظن بالناصح، وناصبه العداء، وأضمر له الشر.وكم سقت في آثارهم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المُتَنَصِّح
ومع ذلك فلا ينبغي للمرء ترك النصح، بل عليه أن يستمر عليه، وأن ينوع في أساليبه؛ فالنصيحة واجبة - كما مر - ويدفع الله بها من البلاء ما لا يعلمه إلا هو؛ فقد يرتدع المنصوح، وقد يخف شره.
وإذا لم تُجْدِ النصيحة مع شخص ما - فلا يعني أنها لا تجدي مع كل أحد.
ثم إن على المنصوح أن يتقبل النصيحة بقبول حسن، وأن يحسن الظن بمن نصح له، وأن يشكره على حرصه ومبادرته.
بل عليه أن يتلقى من يهدي إليه شيئاً من عيوبه بالبشر والفرح، وأن يضمر له المحبة والمودة؛ فإصلاح النفس لا يتأتى بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار عليها، والعاقل اللبيب يفرح بالنقد الهادف كفرحه بالثناء الصادق.