وصاية الإسلام بالجار
لقد أوصى الإسلام بالجار، وأعلى من قدره؛ فللجار في الإسلام حرمة مصونة، وحقوق كثيرة لم تعرفها قوانين الأخلاق، ولا شرائع البشر.
بل إن تلك القوانين والشرائع الوضعية لتتنكر للجار، وتستمرئ العبث بحرمته؛ إذ غالبًا ما يكون العبث بحق الجار أسهل تناولاً، وأقل كلفة، وأسنح فرصة.
ولقد بلغ من عِظَم حق الجار في الإسلام أن قرنَ الله حق الجار بعبادته وتوحيده - تبارك وتعالى - وبالإحسان إلى الوالدين، واليتامى، والأرحام.
قال - عز وجل - في آية الحقوق العشرة: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) [النساء: 36].
فقوله - تعالى -: ( وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ): هو الذي بينك وبينه قرابة، وقيل: هو الذي قَرُبَ جوارُه، وقيل: المسلم، وقيل: الزوجة.
وقوله: ( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ): قيل: هو الذي يعد في العرف جارًا وبينك وبين منزله فسحة.
وقيل: هو الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: الزوجة: وقيل: غير المسلم.
أما السنة النبوية فقد استفاضت نصوصها في بيان رعاية حقوق الجار، والوصاية به، وصيانة عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسد خلَّته، وغض البصر عن محارمه، والبعد عن ما يريبه ويسيء إليه.
ومن أجلى تلك النصوص وأعظمها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه ".
أي ظننت أنه سيبلغني عن الله الأمرُ بتوريث الجارِ الجارَ.
وهذه كلمة جامعة بالغة؛ فإن الوصاية بالجار تشمل كف الشر عنه وإسداء الخير إليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " حتى ظننت أنه سيورِّثه " يدل على أن الوصاية بالجار كانت على جانب عظيم من التأكد، والحث على رعاية حقوقه.
هذا وسيأتي مزيد بيان لوصاية الإسلام بالجار فيما سيأتي من صفحات.