بين الزوجة والوالدين
هذه الفقرة داخلة ضمن الآداب التي ينبغي ويجب مراعاتها مع الوالدين، وضمن الأمور المعينة على بر الوالدين، وقد مضى شيء من ذلك.
وإنما أفردت هذه الفقرة وحدها؛ لأهميتها، ولمسيس الحاجة إليها، ذلك أن الزوج قد يحار في التوفيق بين زوجته ووالديه؛ إذ قد يبتلى بوجود نفرة بين والديه وزوجته؛ فقد تكون زوجته قليلة الخوف من الله، محبةً للاستئثار بزوجها ـ كما مرّ ـ.
وقد يكون والداه أو أحدهما ذا طبيعة حادة؛ فلا يرضيهما أحد من الناس، وربما ألحا على الابن في طلاق زوجته مع أنها لم تقترف ما يوجب ذلك.
وربما أوغرا صدره، وأشعراه بأن زوجته تتصرف فيه كما تشاء، فصدق ذلك مع أنه لم يعطها أكثر من حقها، أو أنه قد قصَّر معها.
فما الحل ـ إذاً ـ في مثل هذه الحال ؟ هل يقف الإنسان مكتوف الأيدي فلا يحرك ساكناً ؟ هل يعق والديه، ويسيء إليهما، ويسفِّه رأيهما، ويردهما بعنف وقسوة في سبيل إرضاء زوجته ؟
أو يساير والديه في كل ما يقولانه في حق زوجته، ويصدقهما في جميع ما يصدر منهما من إساءة للزوجة مع أنها قد تكون بريئة ووالداه على خطأ ؟.
لا، ليس الأمر كذلك، وإنما عليه أن يبذل جهده، ويسعى سعيه في سبيل إصلاح ذات البين، ورأب الصدع، وجمع الكلمة.
إن قوة الشخصية في الإنسان تبدو في القدرة على الموازنة بين الحقوق والواجبات التي قد تتعارض أمام بعض الناس، فتلبس عليه الأمر، وتوقعه في التردد والحيرة.
ومن هنا تظهر حكمة الإنسان العاقل في القدرة على أداء حق كلٍّ من أصحاب الحقوق دون أن يلحق جوراً بأحدٍ من الآخرين.
ومن عَظَمة الشريعة أنها جاءت بأحكام توازن بين عوامل متعددة، ودوافع مختلفة، والعاقل الحازم يستطيع ـ بعد توفيق الله ـ أن يعطي كل ذي حقٍّ حقه.
وكثير من المآسي الاجتماعية، والمشكلات الأسرية تقع بسبب الإخلال بهذا التوازن.
ومما يعين على تلافي وقوع هذه المشكلات أن يسعى كل طرف من الأطراف في آداء ما له وما عليه.
وفيما يلي إشارات، وإرشادات عابرة تعين على ذلك:
وهذه الإشارات، والإرشادات تخاطب الابن الزوج، وتخاطب زوجته، وتخاطب والديه وخصوصاً أمه.
أولاً: دور الابن الزوج: مما يعين الابن الزوج على التوفيق بين والديه وزوجته ما يلي:
أ_ مراعاة الوالدين وفهم طبيعتهما: وذلك بألا يقطع البر بعد الزواج، وألا يبدي لزوجته المحبة أمام والديه ـ خصوصاً إذا كان والداه أو أحدهما ذا طبيعة حادة ـ.
لأنـه إذا أظهر ذلك أمامهما أوغر صدورهما، وولَّـد لديهما الغيرة خصوصاً الأم.
كما عليه أن يداري والديه، وأن يحرص على إرضائهما، وكسب قلبيهما.
ب_ إنصاف الزوجة: وذلك بمعرفة حقها، وبألا يأخذ كل ما يسمع عنها من والديه بالقبول، بل عليه أن يحسن بها الظن، وأن يتثبت مما قال.
ج _ اصطناع التوادد: فيوصي زوجته ـ على سبيل المثال ـ بأن تهدي لوالديه، أو يشتري بعض الهدايا ويعطيها زوجتـه؛ كـي تقـدمها للوالدين ـ خصوصاً الأم ـ فذلك مما يرقق القلب، ويستل السخائم، ويجلب المودة، ويكذِّب سوء الظن.
و ـ التفاهم مع الزوجة: فيقول لها ـ مثلاً ـ إن والديَّ جزءٌ لا يتجزأ مني، وإنني مهما تبلد الحس عندي فلن أَعُقَّهما، ولن أقبل أيَّ إهانة لهما، وإن حبي لك سيزيد وينمو بصبرك على والدي، ورعايتك لهما.
كذلك يذكرها بأنها ستكون أمَّـاً في يوم من الأيام، وربما مرّ بها حالة مشابهة لحالتها مع والديه؛ فماذا يرضيها أن تُعَامَل به ؟
كما يذكرهـا بأن المشاكسة لن تزيـد الأمـر إلا شـدة وضراوة، وأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وهكذا.
ثانياً: دور زوجة الابن: أما زوجة الابن فإنها تستطيع أن تقوم بدور كبير في هذا الصدد، ومما يمكنها أن تقوم به أن تُؤْثِر زوجها على نفسها، وأن تكرم قرابته، وأن تزيد في إكرام والديه، وخصوصاً أمه؛ فذلك كله إكرام للزوج، وإحسان إليه.
كما أن فيه إيناساً له، وتقوية لرابطة الزوجية، وإطفاءاً لنيران الفتنة.
وإذا كان الزوج أعظم حقَّـاً على المرأة من والديها، وإذا كـان مـأموراً ـ شـرعاً ـ بحفـظ قرابته، وأهـل ودِّ أبـيـه؛ تقوية للرابطة الاجتماعية في الأمة ـ فإن الزوجة مأمورة شرعاً بأن تحفظ أهل ودِّ زوجها من بابٍ أولى؛ لتقوية الرابطة الزوجية.