1- دلالة الفطرة
الفطرة في اللغة هي الخلقة ، أما في الشرع فهي الإسلام على القول الراجح كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى - .
" وكل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه " .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه " .
وفي رواية : " إلا على هذه الملة " وفي رواية " إلا على الملة " .
وفي حديث عياض بن حمار - رضي الله عنه - يقول - تعالى - في الحديث القدسي : " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " .
قال ابن القيم - رحمه الله - " وذكروا عن عكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وإبراهيم ، والضحاك ، وقتادة في قوله - عز وجل - : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )[الروم : 30] قالوا : ( فطرة الله ) دين الإسلام ( لا تبديل لخلق الله ) قالوا : لدين الله " .
ثم إن الإنسان مفطور على اللجوء إلى ربه - تبارك وتعالى - عند الشدائد ، فإذا ما وقع الإنسان - أي إنسان - حتى الكافر الملحد - في شدة ، أو أحدق به خطر - فإن الخيالات والأهوام تتطاير من ذهنه ، ويبقى ما فطر عليه ليصيح بأعلى صوته ، ومن قرارة نفسه ، وعميق قلبه ، منادياً ربه ؛ ليفرج كربته وهمه ، ويلجأ إليه وحده دون سواه .
وصدق الله - تعالى - إذ يقول :( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ )[العنكبوت : 65] .
وليس المراد بأنه يولد على الفطرة أنه يولد عالماً بأمور الإسلام ؛ فالله - سبحانه وتعالى - يقول :( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) [النحل : 78] .
وليس المراد- أيضاً - أنه يولد ساذجاً لا يعرف شركاً ولا توحيداً ؛ لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قال : " إلا ويولد على الملة " وفي رواية : " على هذه الملة " .
بل المراد أن كل مولود يولد على محبته لفاطره ، وإقراره له بربوبيته ، وادعائه له بالعبودية ، فلو خُلِّي وعدمَ المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره ، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية ، والأشربة ، فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه .
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ولم يقل يسلمانه ؛ لأنه باقٍ على الأصل ، فاعتناق غير الإسلام يعد خروجاً عن الأصل والقاعدةِ بأسباب خارجة .
2- دلالة الشرع
أما دلالة الشرع فواضحة معلومة ؛ فما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله ، فالكتب السماوية كلها تنطق بذلك ، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح العباد في دنياهم وأخراهم ؛ كالصلاة ، والزكاة ، والحج ، وغيرها ، وما جاءت به من الأخبار الكونية ، والمغيبات التي شهد الواقع بصدقها ـ كل ذلك يدل على أنها من ربٍّ حكيمٍ عليمٍ مستحقٍ للعبادة وحده لا شريك له .