النصارى بعد رفع المسيح - عليه السلام -
مر بنا أن عيسى بن مريم - عليه السلام - أتى بدين التوحيد وقد دعا إليه، فآمن به من آمن, ولما رفعه الله إليه بقي عدد من أتباعه وأنصاره على الحق مدة يسيرة إلا أنهم لقوا من اليهود الذين لم يؤمنوا بعيسى - عليه السلام - أذىً كثيراً؛ حيث طاردوهم، وقتلوهم، ووشوا بهم عند السلاطين.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله -: "اتفقت المصادر شرقية وغربية، دينية وغير دينية على أن المسيحيين نزل بهم بعد المسيح بلايا وكوارث جعلتهم يَسْتَخْفُون بديانتهم، ويفرون بها أحياناً، ويصمدون للمضطهدين مستشهدين أحياناً أخرى, وهم في كلتا الحالتين لا شوكة لهم، ولا قوة تحميهم وتحمي ديانتهم وكتبهم"(1).
ويقول - أيضاً -: "وأشد ما نزل من أذى كان في عهد نيرون سنة 64م وترجان سنة106م ودبيون سنة 49م"(2).
وفي تلك الفترة كتبت أناجيلهم وهي عبارة عن اجتهادات لم تسمع من عيسى - عليه السلام - مشافهة وبعضها من دس اليهود.
وقد عاشت النصرانية بعد ذلك ثلاثة قرون في تخبط وافتراق، وتأثر بالفلسفات والآراء والطقوس الوثنية السائدة، إضافة إلى ما قام به اليهود خلال تلك الفترة من الدس والتحريف، وإشاعة الفرقة والاختلاف العقدي والمذهبي في صفوف أتباع النصرانية.
كما أنه خلال تلك الفترة فُقِدَ النصُّ الصحيح للإنجيل، وكثرت الأناجيل إلى حد لا يمكن معه الاهتداء إلى نص الإنجيل الثابت.
وتتفق المصادر التاريخية - فيما نعلم - على أن اليد الطولى في التحريف كانت لمبشر من أتباع الحواريين تُسَمِّيه المسيحية المحرفة بولس الرسول وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة مدعياً أنه ابن الله -تعالى الله عن ذلك- وكانت هذه الدعوى البذرة الأولى للتثليث.
وفي سنة 325م بدأ التجمع النصراني الكبير الذي عقده قسطنطين ملك الرومان في نيقية، وهو تجمع حاسم قرر فيه غالبية النصارى الاتجاه نحو النصرانية الضالة والتي هي مزيج من الوثنية الرومانية السائدة آنذاك، ومن اليهودية المحرفة، وبقايا النصرانية المشوشة، والديانات الوثنية الهندية.
وفي هذا اللقاء رسخت عند النصارى عقيدة التثليث الوثنية وهو اعتقادهم أن الله ثالث ثلاثة: الأب وهو الله بزعمهم - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - والابن وهو عيسى بزعمهم، وروح القدس يتمثل في الروح التي حلت في مريم.
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن والنصرانية على هذا الاعتقاد الفاسد(3).
[1] - [2] محاضرات النصرانية ص29-30.
[3] - انظر العلمانية د. سفر الحوالي ص36، والموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة ص71.