الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

المبحث الرابع(1)

إنكار عذاب القبر ونعيمه والرد على من زعم ذلك

 أنكر بعض الزائغين من الملاحدة والزنادقة ومن نحا نحوهم عذاب القبر، وسعته، وضيقه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت لا يُجلس، ولا يقعد.

 "قالوا: فإنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة عمياً صماً يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيَّات، ولا ثعابين، ولا نيراناً تَتَأجج.

ولو كشفنا حاله في حالة من الأحوال لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينه الزئبق، وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله.

وكيف يُفسح له مد بصـره، أو يُضيَّق عليه ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرناها له لم يزد ولم ينقص؟.

وكيف يتسع ذلك اللحد الضَيِّق له وللملائكة، وللصورة التي تؤنسه، أو توحشه؟.

قال إخوانهم من أهل البدع والضلال: وكل حديث يخالف مقتضى القول(2) والحس يُقطع بتخطئة قائله.

قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يُسأل، ولا يجيب ولا يتحرك، ولا يتوقد جسمه ناراً.

ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع، وحواصل الطيور، وبطون الحيتان، ومدارج الريح - كيف تُسأل أجزاؤه مع تفرقها؟ وكيف يُتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟ وكيف يُضيَّق عليه حتى تلتئمه أضلاعه؟"(3).

والجواب عن هذه المزاعم يسير - بحمد الله - فهي مزاعم باطلة مردودة بالشرع، والحس، والعقل، وإليك بعض الوجوه التي يرد بها على تلك المزاعم.

1 - أن عذاب القبر ونعيمه ثابت بالشرع: وقد مضى ذكر لبعض تلك النصوص، بل إن أحاديث هذا الباب متواترة -كما في فقرة سابقة-.

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله-: "أما أحوال القبر وفتنته وعذابه ونعيمه وتفاصيل ذلك فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة والحسنة عن رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- كما هو معروف، والقرآن أشار إليه في عـدة آيات"(4).

 ومن تلك النصوص -زيادة على ما مضى- ما جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان بكبير، بلى، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة؛ فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"(5).

2 - أنه يجب التأدب مع نصوص الشرع: فلا يجوز معارضتها بهذه الشبه الفاسدة الداحضة التي لو تأمل المعارض بها ما جاء في الشرع حق التأمل لعلم بطلان هذه الشبه؛ ففي الشرع ما قد تحار فيه العقول، ولكن ليس فيه ما تحيله العقول.

والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - لم يخبروا بما تحيله العقول، وتقطع باستحالته، بل أخبروا بما تشهد به العقول والفطر؛ فيجب أن يفهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مراده من غير غلو، ولا تقصير؛ فلا يحمَّل كلامه ما لا يحتمل، ولا يُقَصَّر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان .

قال الله - تعالى -: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) سبأ: 6 .

وقال - عزوجل -: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) . الرعد: 19 .

وقال: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ) الرعد: 36 .

وعلى هذا فإن إنكار أحوال البرزخ محادة لله ورسوله، وتكذيب لما جاء في الشرع المطهر.

3 - أن أحوال البرزخ من أحوال الغيب التي لا يدركها الحس: ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمنون بالغيب، والجاحدون في التصديق بها.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن الله - سبحانه - جعل أمر الآخرة، وما كان متصلاً بها غيباً، وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم؛ فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر، وتجلس قريباً منه، ويشاهدهم عياناً، ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط إما من الجنة وإما من النار، ويؤمِّنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظه، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه؛ حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة .

 وقد سُمع بعض المحتضرين يقول: أهلاً وسهلاً ومرحباً بهذه الوجوه.

وقد أخبرني شيخنا(6) عن بعض المحتضرين فلا أدري أشاهده، أو أَخْبَر عنه أنه سُمِع وهو يقول: عليك السلام، هاهنا فاجلس، وعليك السلام، هاهنا فاجلس.

وقصة خبر النساج -رحمه الله- مشهورة؛ حيث قال عند الموت: اصبر عافاك الله؛ فإن ما أمرتَ به لا يفوت، وما أمرتُ به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ، وصلى، ثم قال: امض لما أمرتَ به ومات .

وذكر ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: "أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاث مرات، ولكن: لا إله إلا الله ثم رفع رأسه، فأحط(7) النظر؛ فقالوا: إنك لتنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حَضَرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض"(8).

وبعد أن ساق ابن القيم جملة من الآثار في ذلك قال: "والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر، وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول الله - عز وجل -: (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (58)) الواقعة.

أي أقرب بملائكتنا ورسلنا، ولكن لا ترون؛ فهذا أول الأمر، وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد وهو في هذه الدار، ثم يمد الملك يده إلى الروح؛ فيقبضها، ويخاطبها، والحاضرون لا يرونه، ولا يسمعونه، ثم تخرج، فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس، ورائحة أطيب من رائحة المسك، والحاضرون لا يرون ذلك، ولا يشمونه.

ثم تصعد بين سماطين(9) من الملائكة،والحاضرون لا يرونهم.

ثم تأتي الروح، فتشاهد غسل البدن، وتكفينه، وحمله، وتقول: قدموني، قدموني، أو إلى أين تذهبون بي؟ ولا يسمع الناس ذلك، فإذا وضع في لحده، وسُوِّي عليه التراب لم يـحْجـبِ الترابُ الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نـقِر له حَجَرٌ، فأودع فيه، وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه؛ فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، بل الجن لا يمنعها ذلك، بل قد جعل الله - سبحانه - الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير.

واتساع القبر، وانفساحه للروح بالذاتِ، والبدنُ تبع؛ فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع وقد فسح له بصره تبعاً لروحه.

وأما عصرة القبر حتى تختلف بعض أجزاء الموتى فلا يَرُدُّهُ حس، ولا عقل، ولا فطرة.

ولو قدِّر أن أحداً نبش عن ميت، فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف لم يمنع أن تكون عادت إلى حالها بعـد العصرة؛ فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرد تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ولقد أخبر بعض الصادقين أنه حفـر ثلاثة أقبر، فلما فـرغ منها اض