المبحث الثاني
نعيم القبر وعذابه
أولاً: تعريفه: هو اسم لنعيم البرزخ وعذابه، وهو نتيجة لفتنة القبر؛ فنعيم القبر للمؤمنين الصادقين، وعذابه للظالمين من المنافقين والكافرين.
ثانياً: تواتر الأخبار في نعيم القبر وعذابه: يقول شارح الطحاوية: "لقد تواترت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلاً لذلك؛ فيجب اعتقاد ذلك، والإيمان به"(1).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ومذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات القيامة الكبرى، وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، والثواب والعقاب في البرزخ - ما بين الموت إلى القيامة - هذا قول السلف قاطبة،وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع"(2).
ثالثاً: نعيم القبر وعذابه في القران الكريم: نعيم القبر وعذابه في البرزخ مذكور في غير ما آية؛ حيث وردت إشارات في القرآن تدل على وقوعه.
وقد ترجم البخاري -رحمه الله- في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: "باب ما جاء في عذاب القبر".
ثم ساق في الترجمة قوله - تعالى -: (وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) الأنعام: 93.
وقوله - تعالى -: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) التوبة: 101.
وقوله - تعالى -: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)) غافر(3).
والآية الأولى التي ساقها البخاري إنما هي في تعذيب الملائكة الكفار في حال الاحتض-ار، والآية الثانية ت-دل على أن هناك عذابين سيصيبان المنافقين قبل عذاب يوم القيامة.
العذاب الأول: ما يصيبهم الله به في الدنيا إما بعقاب من عنده، وإما بأيدي المؤمنين.
والعذاب الثاني: عذاب القبر، قال الحسن البصري: "سنعذبهم مرتين: عذاب الدنيا وعذاب القبر"(4).
وقال الطبري: "والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع، أو السبي، أو القتل والإذلال، وغير ذلك"(5) .
والآية الثالثة حجة واضحة لأهل السنة الذين أثبتوا عذاب القبر؛ فإن الحق -تبارك وتعالى- قرر أن آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، وهذا قبل يوم القيامة؛ لأنه - عز وجل - قال بعد ذلك: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر: 46 .
قال القرطبي: "الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر"(6).
وهناك آيات أخرى تشير إلى عذاب القبر ونعيمه غير ما ذكر(7).
رابعاً: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه بلا كيفية: قال شارح الطحاوية -رحمه الله- بعد أن تكلم على تواتر الأخبار في عذاب القبر ونعيمه: "فيجب اعتقاد ذلك، والإيمان به ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذه الدار.
والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عودة الروح للجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا" (4).
خامساً: هل عذاب القبر ونعيمه خاص بمن دفن في قبر، أو هو شامل؟: والجواب عن ذلك أن عذاب القبر ونعيمه شامل لمن دفن في قبر أو غيره؛ فكل من مات وهو مستحق للعذاب أو النعيم ناله نصيبه منه، سواء قبر أم لم يقبر، وسواء كان في فلاة، أو في مكان يحفظ فيه كالثلاجة، أو أنه قد أكلته السباع، أو احترق حتى صار رماداً ونسف بالهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، أو غير ذلك؛ فالعذاب أو النعيم يصل إليه كما يصل إلى المقبور.
وإنما سمي عذاب القبر ونعيمه باعتبار الغالب والأصل(8).
قال ابن القيم -رحمه الله-: " وهذا البرزخ يشرف أهله على الدنيا والآخرة.
وسمي عذاب القبر ونعيمه، وأنه روضة أو حفرة نار، باعتبار غالب الخلق؛ فالمصلوب، والحَرِق، والغرِق، وأكيل السباع، والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.
فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حُرِق جسده بالنار، وصار رماداً، وذري بعضه في البحر، وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك، فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم؛ فإذا هو قائم بين يدي الله، فسأله: ما حملك على ما فعلت؟.
فقال: خشيتك يا رب وأنت أعلم؛ فما تلافاه أن رحمه.
فلم يَفُتْ عذاب البرزخ ونعيمه هذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال، حتى لو كان علق(9) الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه.
ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه وحظه.
فيجعل الله النار على هذا برداً وسلاماً، والهواء على ذلك ناراً وسموماً؛ فعناصر العالم، وموادُّه(10) منقادة لربها وفاطرها، وخالقها يُصَرِّفها كيف يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طوع مشيئته، مُذللة مُنقادة لقدرته.
ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين، وكفر به، وأنكر ربوبيته"(11).
سادساً: هل يَفْهَم فتنةَ القبر، ويجيب عن سؤال الملكين مَنْ لا يعرف العربية؟: فقد مر بنا أن سؤال الناس في قبورهم يكون بصيغة: من ربك؟، وما دينك، وما نبيك؟
والجواب عن هذا الإشكال:
هو أن الإنسان يفهم السؤال، ويجيب عنه، ولو لم يكن يعرف العربية.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: "وهذا الابتلاء، والامتحان لكل عبد؛ فأما من كان مؤمناً إيماناً صحيحا ثبته الله، ولق-ن-ه الجواب الصحيح للملكين كما قال - تعالى -: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) إبراهيم: 27.
فذكر أن تثبيته لهم جزاء على إيمانهم في الدنيا؛ فالمؤمن يجيب الجواب الصحيح، وإن كان عامياً، أو أعجمياً.
وأما الكافر والمنافق فمن كان في الدنيا غير مؤمن بما جاء به الرسول - فإنه يستعجم عليه الجواب ولو كان أعلم الناس، وأفصحهم كما قال -تعالى-: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) إبراهيم: 27"(12).
سابعاً: هل عذاب القبر ونعيمه على البدن أو على الروح؟: الجواب أن عذاب القبر ونعيمه يكون على البدن والروح معاً.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "مذهب سلف الأمة، وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمةً أو معذبةً، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم والعذاب"(13).
وقال: "العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس، وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون العذاب والنعيم عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون