24- اختلاط الزوجة بالرجال، وتبرجها أمامهم:
فمن النساء من تختلط بالرجال من أقارب زوجها، وأحمائه دونما تحرج، إما بحكم العادة، وإما بسبب التساهل بشأن الحمو، وإما بسبب الجهل ورقة الدين، أو بسبب الغفلة عن العواقب، أو لإرغام الزوج لها بالاختلاط، أو لغير ذلك من الأسباب.
ولقد أصبح ذلك في بعض المجتمعات عرفاً سائداً، وعادة متبعة يُنْكَر على من ينكرها.
وفي بعض المجتمعات لا تقتصر الزوجة على الاختلاط بأقارب الزوج، بل يتعدى الأمر ذلك إلى أصدقائه ومعارفه، وضيوفه، كل ذلك تحت ستار القرابة، والمعرفة، والثقة.
فإذا كان هناك حفل، أو مناسبة، أو وليمة كانت جماعية مختلطة.
وهذا الاختلاط لم يكن معروفاً عند المسلمين، وإنما أتاهم من الغرب؛ فهم يحاولون تقليدهم واللحاق بركبهم؛ حتى لا يقال: متخلفون رجعيون!
فهل تقليد الغرب في مستهجن عاداته إلا التخلف بعينه؟ أوليس هذا التقليد مما يزيد الشعوب المقلدة وهناً على وهن؟
فلا ريب أن المرأة آثمة في هذا الصنيع، وطاعة زوجها في مثل هذه الحال حرام عليها؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ولا يخفى ما في الاختلاط من الفساد العريض كالخلوة المحرمة وإظهار المرأة مفاتنها، وتلذذ الرجال بالنظر إليها؛ فإذا كان وصف المرأة النساء لزوجها محرماً - كما مر في فقرة ماضية - فكيف بهم وهم يرون النساء بأم أعينهم؟
ولهذا حسم الشرع المطهر هذا الأمر؛ سداً لذرائع الفتنة.
قال - عليه الصلاة والسلام -: "إياكم والدخول على النساء".
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟
قال: "الحمو الموت"[1].
قال الليث فيما رواه مسلم عنه بعد روايته الحديث السابق: "الحمو أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج: ابن العم ونحوه"[2].
وإذا أنكر منكر على بعض أولئك الذين يدعون للاختلاط والتبذل وصموه بالتخلف، وما علموا أن صنيعهم هو التخلف بعينه، وإذا أردت الدليل على ذلك فانظر إلى انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج من العراة الذين لا يزالون يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيمية؛ فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا.
ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادت نسبة المساحة الكاسية من أجسادهم.
كما يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقرى درجة درجة حتى ينتهي إلى العري الكامل في مدن العراة التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة.
ونحن إذا احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سبباً في مجده وسيادته - فمن المؤكد أننا لسنا في حاجة إلى استيراد قواعد في السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الأمارات، والبوادر أنها ستؤدي إلى تدمير حضارته، والقضاء عليها قضاء تاماً في القريب العاجل.
إننا نحتاج إلى مواد البناء؛ لأن لدينا من عوامل الضعف والهدم ما يكفي، ومن مصائبنا نحن الشرقيين أننا لا نأخذ المصائب كما هي، بل نزيد عليها ضعفنا فإذا هي رذائل مضاعفة.
ومع ذلك تجد من أبناء جلدتنا من لا يصيخون السمع إلى هداية الدين.
بل هم يلحدون في آيات الله، فيميلون بها عن وجهها حيناً، ويجادلون فيها أشد المجادلة حيناً آخر.
في الوقت الذي يخضعون لهذه المزاعم الداعرة، ويرونها فوق النقاش والمراء.
هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن والسنة، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام؛ فإذا عارضتهم بالثابت من قول الله ورسوله - وهم يزعمون أنهم مسلمون - لوَّوا رؤوسهم، وقالوا: نحدثك في العلم، فتحدثنا في الدين؛ وكأن هذه الأوهام عندهم أثبت من الشرع المطهر.
أترى فرقاً بين هؤلاء، وبين أمم خلت من قبلهم من الضالين كانوا يقولون إذا ذكروا بآيات الله: (قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)(الأنفال: 31)؛ (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(النحل: 25)[3].
وبالجملة فإن الحقيقة الماثلة للعيان تقول بأن الاختلاط والتبرج أقرب الوسائل إلى تلويث الأعراض، ونكد العيش، وأنهما إلى ابتذال المرأة أقرب منهما إلى كرامتها، وإلى عنائها أقرب منهما إلى راحة بالها.
كما تقول الحقيقة - أيضاً - بأن الحشمة والحياء والوقار والستر - هي من أعظم أسباب سعادتها، وعزها، وراحة بالها، ووفور كرامتها[4].
هذا وللأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي- رحمه الله -كلام جميل حول هذا المعنى، وهو مبثوث في أماكن متفرقة من كتبه، وخصوصاً كتابه وحي القلم، فمما قاله - رحمه الله -:
"يظنون أننا في زمن إزاحة العقبات النسائية واحدة واحدة من حرية المرأة وعلْمها.
أما أنا فأرى حرية المرأة وعلمها لا يوجدان إلا في العقبات النسائية عقبة بعد عقبة"[5].
وقال: "فما هي المرأة بدون التقاليد؟ إنها البلاد الجميلة بغير جيش، إنها الكنز المخبوء مُعَرَّضاً لأعين اللصوص تحوطه الغفلة لا المراقبة.
هب الناس كلهم شرفاء، متعففين متصاونين؛ فإن معنى كلمة (كنز) متى تركت لها الحرية، وأُغْفِل من تقاليد الحراسة أوجدت حريته هذه بنفسها كلمة (لص)"[6].
وقال: "إن نفس الأنثى لرجل واحد؛ لزوجها وحده"[7].
وقال: "وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاء سعرها في الاجتماع، وصونها من التبذل الممقوت؛ لضبطها في حدود كحدود الربح من هذا القانون الصارم: قانون العرض والطلب، والارتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادى عليها في مدارج الطرق والأسواق"[8].
وقال: "ولقد جاءت إلى مصر كاتبة إنجليزية، وأقامت أشهراً تخالط النساء المتحجبات، وتدرس معاني الحجاب، فلما رجعت إلى بلادها كتبت مقالاً عنوانه: "سؤال أحمله من الشرق إلى المرأة الغربية".
قالت في آخره: "إذا كانت هذه الحرية التي كسبناها أخيراً، وهذا التنافس الجنسي، وتجريد الجنسين من الحجب المشوّقة الباعثة التي أقامتها الطبيعة بينهما - إذا كان هذا سيصبح كل أثره أن يتولى الرجال عن النساء، وأن يزول من القلوب كل ما يحرك فيها أوتار الحب الزواجي؛ فما الذي نكون قد ربحناه؟
لقد - والله - تضطرنا هذه الحال إلى تغيير خططنا، بل تستقر طوعاً وراء الحجاب الشرقي؛ لنتعلم من جديد فن الحب الحقيقي"[9].
وقال: "ليس لامرأةٍ فاضلة إلا رجُلها الواحد؛ فالرجال جميعاً مصائبها إلا واحداً"[10].
وقال: "احذري أن تخدعي عن نفسك؛ إن المرأة أشد افتقاراً إلى الشرف منها إلى الحياة"[11].
وقال: "احذري السقوط؛ إن سقوط المرأة؛ لهوله وشدَّته ثلاث مصائب في مصيبة: سقوطها هي، وسقوط من أوجدها، وسقوط من توجدهم"[12].