الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

 

32- قلة القناعة والتطلع إلى غير الزوجة:

 

فمن الأزواج من هو قليل القناعة بما لديه، كثير التطلع إلى محاسن غيره، فلا يقنع بما وهبه الله ولو كان كثيراً عظيماً، ولا يريح قلبه من عناء التطلع إلى ما عند الآخرين ولو كان قليلاً حقيراً.

  ولهذا تراه يحسد إخوانه وأقاربه وزملاءه بزوجاتهم، وتراه يكثر من عقد الموازنات والمقارنات بين حاله وحالهم، فيظن أن أولئك ينعمون بعيشة أفضل منه، وأن لدى زوجاتهم ما ليس عند زوجته مع أن الأمر قد يكون بعكس ذلك تماماً.

  ومن هذا القبيل تطلع الزوج إلى غير زوجته؛ فإذا رأى امرأة أتبعها بصره، وربما مال إليها بقلبه.

  وأقبح ما في ذلك أن يمد بصبره إلى المذيعات والممثلات والراقصات ممن يضعن المساحيق، وموادِّ التجميل ما لو وضع على أدمِّ النساء لربما أصبحت كالقمر.

  فترى هذا الرجل ينظر إليهن بعين الإعجاب، ثم يُرجع بصره إلى زوجته فيرمقها بألحاظ الازدراء.

ولربما قاده ذلك إلى الزهد بزوجته، ولربما انجرَّ به الأمر إلى الخيانة، والخيانةُ تنغص الحياة الزوجية، وتفقد ثقة المرأة بزوجها؛ فالمرأة جبلت على كراهية خيانة الزوج لها أكثر من أي أمر آخر؛ كيف وقد بذلت له صحتها، وحبها، وشبابها؟

  هذا وإن من أكثر أسباب التطلع إلى النساء الأخريات - هو كثرةَ الاختلاط والتبرج؛ ولهذا تكثر الخيانة في البلدان والمجتمعات التي تشيع فيها الإباحية والفجور، وتقل في الدول، والمجتمعات التي ترعى الحشمة والحياء[1].

فظاهرة التطلع إلى غير الزوجات، وقلة القناعة والرضا بهن - من أعظم ما يهدم بنيان الحياة الزوجية، وإذا بحثتَ عما يمكن أن يكون علاجاً لهذه الظاهرة - وجدتَها ترجع إلى أمور عديدة من شأنها أن تعين على القضاء عليها، أو التخفيف من وقعها وأثرها؛ خصوصاً أولئك الذين لديهم بقية من دين وعقل ومروءة.

  فمما يعين على علاج تلك الظاهرة ما يلي:

أ- تقوى الله -عز وجل- واستشعار اطلاعه: فذلك يُقِرَّ النفس على العفاف، ويحفظ العبد من مد النظر؛ فالله -عز وجل- لا تخفى عليه خافية؛ فالغيب عنده شهادة، والسر علانية.

ب- غض البصر: فمن غض بصره أطاع ربه، وأراح قلبه، وحفظ دينه، وسلم من تبعات إطلاق البصر.

 وقد قيل: "إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات"[2].

 ثم إن غض البصر يورث أُنساً بالله، وقوةً في القلب وفرحاً، كما أن إطلاقه يضعف القلب، ويحزنه.

  وغض البصر -أيضاً- يكسب القلب قوة وشجاعة، ويورث صاحبه فراسة صادقة، كما أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب.

ج - لزوم القناعة: فإذا لزم العبد القناعة أشرقت عليه شموس السعادة.

  قال -تعالى-(ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) (طه:131).

 قال أبي بن كعب  - رضي الله عنه - : "من لم يتعز بعزة الله تَقَطَّعتْ نفسه، ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس يَطُل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطمعه ومشربه وملبسه فقد قل علمه، وحضر عذابه-[3].

  وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله -  في تفسير الآية السابقة:

 "أي ولا تمد عينيك معجباً، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال الدنيا والممتعين بها من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة؛ فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجاباً بأبصار المعرضين، ويتمتع بها -بقطع النظر عن الآخرة- القوم الظالمون، ثم تذهب سريعاً، وتمضي جميعاً، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه يوم القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختباراً؛ ليعلم من يقف عندها، ويغتر بها، ومن هو أحسن عملاً"[4].

  وما أحسن قول أبي فراس الحمداني:

إن  الغنيَّ  هو  الغنيُّ  iiبنفسه    *    ولو آنه عاري المناكب حافي
ما  كل ما فوق البسيطة كافياً    *    فإذا قنعتَ فكل شيء iiكافي[5]

  د- النظر إلى من هو أدنى في أمور الدنيا، وإلى من هو أعلى في أمور الدين وسائر الفضائل: فهذا هو المعيار الحقيقي، وتلك هي الموازنة المجدية؛ فهي تُبصِّر الإنسان بنعمة الله، وتقوده إلى شكره وإيثار محابِّه.

فإذا نظر الإنسان إلى من هو فوقه في التقوى، والعلم، وسائر الفضائل -حمله على ذلك على العمل والمسارعة إلى الخيرات.

وإذا نظر إلى من هم دونه في أمور الدنيا في الصحة والمال ونحو ذلك- قاده ذلك إلى مزيد الشكر.

وإلى هذا المعنى العظيم يشير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّل عليه".

وزاد مسلم: "فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم"[6].

قال ابن بطال - رحمه الله -  في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها-إلا وجد من هو فوقه؛ فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله؛ فيكون أبداً في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخسُّ حالاً منه.

 فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضَّل عليه بذلك من غير أمر أوجبه، فيلزم نفسه الشكر، فيعظم اغتباطه بذلك في معاده"[7].

ثم إن الإنسان الذي يتطلع إلى غير زوجته من سائر النساء، وخصوصاً ممن يراهن في وسائل الإعلام، فيعجب بهن، ويزهد بزوجته بسببهن- إنسان لا ينظر إلى الأمور بتبصر وتعقل؛ إذ لو فكر بعقله، ووضع مقارنة حقيقية بينهن وبين زوجته لما بلغ أولئك المتبرجات السافرات قلامة ظفر عند زوجته الصابرة،التقية، العابدة،النقية، الطاهرة، الزكية، التي ترعاه في غيبته وحضوره، وتشرق عليه بحنانها،وتربي أولاده على الطهر والعفاف والفضيلة.

فأنى لأولئكِ المتبرجات السافرات ذلك الطهرُ والعفاف والزكاء؟ وهل ترضى  أيها المتطلع أن تكون إحدى أولئك زوجة لك، وأمَّاً لأولادك؟

هـ - الفهم الصحيح لمعنى الجمال: فالجمال -أولاً- لا يحقق السعادة وحده؛ فهب أنك تزوجت ملكة جمال الكون، وليس بينك وبينها تفاهم ومودة ورحمة؛ فماذا أنت مستفيد من هذا الجمال؟

إن قبح أخلاقها، وسوء طرائقها سيجعلها في ناظريك كالقرد دمامة، وسوء خلْقَة، وما أجمل قول القائل:

إذا أخو الشمس أضحى فعله سمجاً    *    رأيت  صورته  من أقبح iiالصور
وهبك  كالشمس في حُسْنٍ ألم ترنا    *    نَفِرُّ منها إذا مالت إلى iiالضرر[8]

ثم إن الجمال لا يقتصر على لون البشرة، وحسن تقاسيم الوجه، وتناسب الأعضاء.