45- الجمع بين الخوف والرجاء: فلا بدَّ للواعظ أن يجمع بين هذين الأمرين في موعظته؛ إذ هما جناحا العبادة، ولا تستقيم أحوال العباد إلا بالجمع بينهما، والواعظ الحكيم يحسن الجمع بينهما في موعظته؛ لأن الخوف يردعهم عن التمادي في المعاصي، والرجاء يفتح لهم أبواب التوبة،والإقبال على العمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- :"فلا يحل لأحد أن يَقْنَط من رحمة الله ولا أن يُقَنِّط الناس من رحمته؛ لذا قال بعض السلف: وإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرؤهم على معاصي الله".(1)
قال الله -عز وجل-:( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50) الحجر.
ومن فقه الإمام مسلم -رحمه الله- أنه ساق في صحيحه حديثين عظيمين متتاليين: أحدهما يناسب الخوف وهو حديث المرأة التي سجنت الهرة، والآخر يناسب الرجاء وهو حديث المرأة البغي التي سقت كلباً.
وإليك الحديثين مع تعليق الزهري -رحمه الله-.
قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"عذِّبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار؛لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".(2)
وقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: " بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ(3) بِرُكِيَّةٍ(4) كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَ(5)، واستَقَت لَه بِه، فَسَقَتْهُ إياه، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ".(6)
قال الزهري -رحمه الله-: "لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل". (7)