الموقع قيد التطوير والتحسين. نعتذر عن الإزعاج

34 - لزوم الصدق: فإن للصدق آثاراً حميدة، وعوائد عديدة; فالصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى الحسنات، فهو دليل على حسن السيرة، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل.
فبالصدق يشرف قدر المرء، وتعلو منزلته، ويصفو باله، ويطيب عيشه; فهو ينجي صاحبه من رجس الكذب، ووخز الضمير، وذل الاعتذار، ويحميه من إساءة الناس إليه، ونزع الثقة منه، كما أنه يكسبه عزة، وشجاعة، وثقة في النفس، فيظل موفور الكرامة، عزيز النفس، مهيب الجناب.
ولا يمكن أن يستقيم لأحد سؤدد، ولا تعلو له مكانة، ولا يحرز قبولاً في القلوب، ما لم يرزق لسان صدق.
ثم إن الصدق يهدي إلى البر، وحسن الخلق من جملة ذلك البر.
35 - تجنّب كثرةِ اللوم والتعنيفِ على من أساء: فلا يحسن بالعاقل أن يسرف في لوم من أساء، خصوصاً إذا كان المسيء جاهلاً، أو كان ممن يندر وقوع الإساءة منه; فكثرة اللوم مدعاة للغضب، وغلظ الطبع.
ثم إنها موجبة للعداوة، ومجلبة لسماع ما يؤذي.
فالعاقل اللبيب لا يعاتب إخوانه على كل صغيرة وكبيرة، بل يلتمس لهم المعاذير، ويحملهم على أحسن المحامل.
ثم إن كان هناك ما يستوجب العتاب فليكن عتاباً ليناً رفيقاً.
36 - تجنب الوقيعة في الناس: فالوقيعة في الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم - مما يورث العدواة، ويشوش على القلب، فتسوء الأخلاق تبعاً لذلك.
بل إن ذلك مدعاة لأن يبحث الناس عن معايب ذلك الشخص.

ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه    *    ذمـوه  بالحق iiوالباطل
قالت أعرابية توصي ولدها: " إياك والتعرضَ للعيوب; فتتخذ غرضاً، وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام، وقلما اعتورت السهام غرضاً حتى يهيَ ما اشتدَّ من قوته " .
وقال الأحنف - رضي الله عنه -: " من أسرع إلى الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون " .
37 - أن يضع المرء نفسه موضع خصمه: فهذا يدعو لالتماس المعاذير، والكف عن إنفاذ الغضب، والبعد عن إساءة الظن.
فالواحد منا - على سبيل المثال - ينزعج كثيراً إذا كان خلفه في السيارة شخص يطلق الأبواق، ونحن قد نقع موقعه ونفعل ما فعله، إما حرصاً على اللحاق بموعد مهم، أو أن يكون مع بعضنا مريض، أو نحو ذلك.
فإذا وضعنا أنفسنا موضع الخصم وجدنا ما يسوغ فعله، فنُقْصِر بذلك عن الإساءة والجهل، ونحتفظ بهدوئنا وحلمنا.
قال ابن المقفع: " أعدلُ السِّيَر أن تقيسَ الناس بنفسك; فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك " .
قال ابن حزم - رحمه الله -: " من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه; فإنه يلوح له وجه تعسفه " .
38 - أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: فهذا مما يحسن بالمرء فعلُه، والأخذ به، فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق - فَلْيَتَجَنَّبْه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله.
وإذا  أعجبتك خصالُ iiامرئٍ    *    فَـكنْهُ تَـكُنْ مثلَ ما يعجبك
فليس على المجد والمكرمات    *    إذا جـئتها حـاجبٌ iiيحجبك
39 - مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فهذا الأمر من أعظم ما يربي على مكارم الأخلاق، وعلى رسوخها في النفس; فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه.
والصداقة الشريفة تشبه سائر الفضائل من حيث رسوخُها في النفس، وإيتاؤها ثمراً طيباً في كل حين; فهي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاءً.
فالجبان قد تدفعه قوة الصداقةِ إلى أن يخوض في خطر; ليحمي صديقه من نكبة.
والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانباً من ماله; لإنقاذ صديقه من شدة.
فالصداقة المتينة لا تحُلُّ في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة.
فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئاً من كظم الغيظ، فيجلس إلى أصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعد ذلك متواضعاً حليماً.
فإذا ما وفق المرء لصحبة الأَجِلاّء العقلاء من ذوي الدين والمروءة - فإن ذلك من علامات توفيقه وهدايته.
فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللبِّ أن يبحث عن إخوان الثقات; حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر.
40 - الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات: فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم - ولو لم يصاحبهم باستمرار - تَخَلَّق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ودَلِّهم.
يروى أن الأحنف بن قيس قال: " كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه " .
ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذي يُخْتَلف إليهم من أهل العلم، بل قد يوجد في العوام من جبل على كريم الخلال وحميد الخصال.
قال ابن حزم: " وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال وحميد الأخلاق إلى مالا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدَّاً " .
41 - أن ينتفع الإنسان بكل من خالطه وصاحبه: فصاحب البصيرة النافذة، والهمة العالية ينتفع بكل من خالطه وصاحبه، من كاملٍ، وناقص، وسيَّىء الخلق وحَسنِهِ، وعديم المروءة، وغزيرها.
وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها، كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيئ الخلق، فَظٌّ، غليظ، لا يناسبه .
فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق .
وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه، ويكون بتمرين النفس على مصاحبته، ومعاشرته، والصبر عليه .
بل إن كثيراً من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أموراً تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره .
قيل لرجل: مَنْ عَلَّمك البكور في حوائجك أوَّلَ النهار لا تُخِلُّ به؟
قال: مَنْ علَّم الطير تغدو خماصاً كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض .
وقيل لآخر: مَنْ علَّمكَ السكون، والتحفظ، والتماوت حتى تظفر بإربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته ؟
قال: الذي علم الهرة أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك، ولا تتَلوَّى، ولا تختلج، حتى كأنها ميتة، حتى إذا برزت الفأرة وثبت عليها كالأسد .
وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والبذل والسماحة ؟
قال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها ولا يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ويطلبهن طلباً حثيثاً حتى تجيء الواحدة منهن، فتلتقطها وهو مسرور بذلك، طيب النفس به .
وإذا وضعتَ له الحبَّ الكثير فَرَّقه ههنا، وههنا، وإن لم يكن له دجاج؛ لأن طبعه قد ألِفَ البذل والجودَ، فهو يرى أنه من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام !