19 - نسيان الأذية: وذلك بأن تنسى أذية من نالك بسوء; ليصفو قلبك له، ولا تستوحش منه; فمن تَذَكَّرَ إساءة إخوانه لم تصْفُ له مودتهم، ومن تذكر إساءة الناس إليه لم يطب له العيش معهم; فانسَ ما استطعت النسيان.
20 - العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان: فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفعها عن تشفيها بالانتقام - ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.
قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: " وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزَّاً " .
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: " أحبُّ الأمور إلى ثلاثة: العفوُ عند المقدرة، والقصدُ في الجِدَة، والرفق بالعَبَدَةِ " .
" وعن داود بن الزبرقان قال: قال أيوب: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عمّا في أيدي الناس، والتجاوز عنهم " .
وقال الشافعي - رحمه الله -:
| لما عفوت ولم أحقد على iiأحدٍ * أرحت نفسي من ظلم العداواتِ |
ومن جميل ما يذكر في هذا قول المقنَّع الكندي:
وإن الـذي بـيني وبين بني iiأبي * وبـين بـني عـمي لمختلفٌ iiجدَّا إذا قـدحوا لي نارَ حربٍ iiبِزَنْدِهِم * قـدحت لـهم في كلِّ مكرمةٍ iiزندا وإن أكـلوا لحمي وَفَرْتُ iiلحومَهم * وإن هـدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحـمل الـحقدَ الـقديمَ عليهم * وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا |
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله -:
| وإني لأكسو الخلَّ حُلَّةَ سندسٍ * إذا ما كساني من ثياب iiحِدَادِهِ |
وعن عبد الملك أو قيس عبد الملك قال: " قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته - يعني لنومة القيلولة - فعرض له رجل بيده طومار - صحيفة مطوية - فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه، فشجَّه.
قال: فنظرتُ إلى الدماء تسيل على وجهه وهو قائم في الشمس، فلم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر له بحاجته، وخلَّى سبيله " .
وقال ابن القيم - رحمه الله - متحدثاً عن حسن الخلق والعفو، والإحسان إلى من أساء: " وما رأيت أحداً أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه.
وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له - فنهرني، وتنكَّر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه،ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به، ودعو له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه " .
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل - كما قال ابن حبان -: " توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة; إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها " .
وقد يظن ظانٌّ أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه - موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء.
وهذا خطأ; ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال; فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب بالكرامة، أما الحلم فهو إغضاء الرجل عن المكروه، حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومهابة.
| سياسة الحلم لا بطشٌ iiيكدِّرها * فهو المهيب ولا تخشى بوادره |
فالعفو إسقاط حقك جوداً، وكرماً، وإحساناً مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك; رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق.
بخلاف الذل; فإن صاحبه يترك الانتقام عجزًا، وخوفاً، ومهانةَ نفسٍ، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقمَ بالحق أحسنُ حالاً منه.
21 - السخاء: فالسخاء محبة ومحمدة، كما أن البخل مذمة ومبغضة، فالسخاء يجلب المودة، وينفي العداوة، ويكسب الذكر الجميل، ويخفي العيوب والمساوئ.
وإن كثرت عيوبك في البرايا * وسَـرَّكَ أن يكون لها iiغطاءُ تـستر بـالسخاء فكلُّ iiعيبٍ * يُـغَطِّيه كـما قـيل iiالسخاء |
فإذا ما اتصف الإنسان بالسَّخاء زكت نفسه، ولانت عريكته، وقاده ذلك إلى أن يترقى في مكارم الأخلاق، ومدارج الفضيلة; فالسخي قريب من كل خير وبر.
ولهذا كان الأكابر يبادرون إلى تلك الخلَّة، ويحرصون كل الحرص على اكتسابها، ويوصون غيرهم بأن يتحلى بها.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : " ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسَّع لي في المجلس، ورجل اغبَرَّت قدماه في المشي إليَّ; إرادة التسليم عليَّ. أما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله !
قيل: من هو? قال: رجل نزل به أمر، فبات ليلته يفكر بم ينزله، ثم رآني أهلاً لحاجته; فأنزلها بي " .
قال الرافعي - رحمه الله -: " فمن ألزم نفسه الجود والإنفاق راضها رياضةً عمليةً كرياضة العضل بأثقال الحديد، ومعاناة القوة في الصراع ونحوه.
أما الشح فلا يناقض تلك الطبيعة، ولكنها يدعها جامدة مستعصية، لا تلين، ولا تستجيب، ولا تتيسر " .
ومما تحس الإشارة إليه أن السخاءَ سخاءان; سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عمّا في أيدي الناس.
وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم، وأبرأ من الدنس، وأنزه من العيب.
فإن هو جمعهما، فبذل وعف فقد استكمل الجود والكرم.
22 - نسيان المعروف والإحسان إلى الناس: وهذه مرتبة عالية،ومنزلة رفيعة، وهي أن تنسى ما يصدر منك من إحسان، حتى كأنه لم يصدر.
فمن أراد أن يرتقي في المكارم فلينْسَ ما قدم من إحسان ومعروف; حتى يسلم من المنة والترفع على الناس، ولأجل أن يتأهل لنيل مكارم أخرى أرفعَ وأرفعَ.
23 - الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل: وذلك بأن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوَّعَتْ له به أنفسهم سماحة واختياراً، وألا يحملهم على العنت والمشقة.
قال - تعالى -: ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ) [الأعراف: 199].
قال عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - في هذه الآية: " أمر الله نبيَّهُ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس " .
وقال مجاهد: " يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل قبول الأعذار، والعفو، والمساهلة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم " .
قال المقنع الكندي واصفاً حاله مع قومه:
| وأعطيهم مالي إذا كنت واجداً * وإن قَـلَّ مالي لم أكَلِّفْهُمُ رِفدا |
وقال الآخر:
| خذِ العفو واصفح عن أمور iiكثيرة * ودع كدر الأخلاق واعمد لما صفا |
" ولما قدم حاتم الأصم إلى أحمد بن حنبل قال له: أحمد بعد بشاشته به: أخبرني كيف التخلص إلى السلامة?
فقال له حاتم: بثلاثة أشياء.
فقال أحمد: ما هي?
قال: تعطيهم مالك، ولا تأخذ مالهم، وتقضي حقوقهم، ولا تطالبهم بقضاء حقوقك، وتصبر على أذاهم ولا تؤذهم.
فقال أحمد: إنها لصعبة!
قال حاتم: وليتك تسلم " .
قال الرافعي - رحمه الله -: " إن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وإن الزائفة هي الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق " .