6- التوبة من التقصير في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فأمة الإسلام هي الأمة القوامة على الأمم، وهي الشاهدة على الأولين والآخرين.
والبشرية جمعاء بأمسّ الحاجة إلى هداية الإسلام، ومع ذلك تجد التقصير في جانب الدعوة إلى الله.
والتبعة في ذلك تقع على أهل العلم بخاصة؛ فما بال كثير منهم يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة ولا تنهض به الهمة؛ ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالمَ فوزهم؟.
وما بال الخلاف يدب في صفوف كثير من الدعاة، فيفشلهم، ويذهب ريحهم؟
وما بال كثير منهم يخطىء سبيل الحكمة، ويؤثر مصلحته- الخاصة على مصلحة الأمة؟
وما بال كثير منهم ينزوي وينطوي على نفسه غير مكترث بمصير الأمة، وغير مبال بوعيد الله لمن كتم العلم؟
وما بال الشرك يضرب بجرانه في كثير من بلاد المسلمين على مرأى ومسمع من أهل العلم دون أن يُغيَّر أو ينكر؟
وما بال القبور تشيد، وتعظم، ويطاف عليها، وتهدى لها النذور، ويدعى أصحابها من دون الله -عز وجل-؟
إن السكوت عن الدعوة جرم عظيم، وذنب يجب التوبة منه؛ ذلك أنه إذا انزوى العارفون بوجوه الإصلاح رفع البغي لواءه، وبقي إخوان الفساد يترددون على أماكن المنكرات.
والبغيُ يضرب على الأمة الذلةَ والمسكنةَ، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة من نحو الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير.
وإذا تفشى وباء الفساد تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلَّت الرغبة في الآداب والعلوم.
وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام، والجهل والتفرق، وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدمار.
ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين، ووعظ المسرفين أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارَهم في العمل الصالح على أنفسهم يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون؛ فالذي جرت به سنة الله في الأمم أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها- لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعداها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم يأخذوا على أيديهم.
قال- تعالى- :[ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] الأنفال: 25.
وجاء في صحيح مسلم عن زينب بنت جحش- رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟
قال: ((نعم؛ إذا كثر الخبث)).
ومن البلية في سكوت أهل العلم أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء أو استحسانها؛ فإذا نهيتهم عن بدعة سيئة، وسقت إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله- كان جوابهم أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من فلان من أهل العلم ولم يعترض فعلهم بإنكار!.
ومن أثر التهاون بالإرشاد أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية؛ فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها قلوبهم، حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكرون في سوء عاقبتها.
ومن أثر هذا أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يُشْرف عليها.
وإذا كان الأمر كذلك كان لزاماً على الأمة أفراداً وجماعات أن تتوب من التقصير في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقوم كل فرد بحسبه بما أوجب الله عليه من نصرة دين الله.
هذا بلسانه، وهذا بقلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، ولكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناس مشربهم.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن ارتكاب الذنوب لا يسوغ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله: فكثيرٌ من الناس إذا قصَّر في الطاعة، أو وقع في المعصية- ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله؛ بحجة أنه مُقَصِّر، وأنه يفعل خلاف ما يأمر به، وأنه يخشى أن يدخل في الوعيد لمن دعا وترك ما يدعو إليه كما في قوله- تعالى-: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ] البقرة: 44، وقوله: [كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] الصف: 3.
وهذا خطأ يجب على المسلم أن يحذره ويتجنبه؛ فترك أحد الواجبين ليس مسوغاً لترك الآخر، والذم الوارد في
النصوص إنما هو لترك المعروف، لا للأمر بالمعروف.
قال- تعالى- : [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ[78]كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[79] المائدة .
فانظر كيف نعى الله عليهم ترك التناهي مع أنهم مشتركون في المنكر؛ فلا يجوز للمسلم أن يجمع بين إساءتين، وإلا لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال ابن حزم -رحمه الله-: ((ولو لم يَـنْـهَ عن الشر إلا من ليس فيه شيء منه، ولا أمر بالمعروف إلا من استوعبه- لما نهى أحد عن شر، ولا أمر بخير بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-)).
وقال النووي -رحمه الله-:((قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمرُ وإن كان مُخِلاً بما يأمر به، والنهيُ وإن كان متلبساً بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها، ويأمر غيره، وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟))
قال سعيد بن جبير -رحمه الله- :((لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر)).
قال الإمام مالك -رحمه الله- معلقاً على قول سعيد بن جبير: (( وصدق سعيد؛ ومن ذا الذي ليس فيه شيء)).
وقال الحسن لمُطَرّف بن عبدالله:((عظْ أصحابك.
فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل!
قال: يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر منا بهذا؛ فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر)).
وقال الطبري -رحمه الله-:((وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأوْلى فجيِّد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره )).
وعلى هذا فعلى من وقع في معصية، أو قصَّر في طاعة ألا يدع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله حسب قدرته واستطاعته؛ فلربما اهتدى على يده عاص، أو أسلم كافر، أو تسبب في ذلك؛ فكان له من الأجر مثل ما لهم من غير أن ينقص ذلك من أجورهم.
ولا يفهم مما سبق أنه لا بأس في ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر؛ لأنه يعرض نفسه لغضب الله عند التساهل في هذا.
بل ينبغي له أن يكون أولَ ممتثل لما يأمر به، وأولَ مُنْتَهٍ عما ينهى عنه.
وغاية ما في الأمر أن فعل المعروف، وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يقال لمن أمر بالمعروف، ولم يفعله أو نهى عن المنكر، وفعله: لا تأمر بالمعروف، ولا تنهَ عن المنكر، وإنما يقال له: داوم على أمرك ونهيك، واتق الله فيما تأتي وما تذر.
وإذا كان هذا في شأن من هو عاص أو مقصر- فكيف إذا كان الشخص ذا علم، وصلاح وهو مقصر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
فعليه أن يتوب من ذلك، وأن يستدرك ما فات؛ لأن الله سائله عن علمه ماذا عمل به [لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] هود: 7.